وقادتها، هذا وإن كان لم يكتف بذلك بل حاول أن يعرف آراء رجل الشارع العادي في كل بلد زاره، مما أتاح له الإلمام باتجاهاته المختلفة وتطور الحركات القومية فيه ..
************
أوربا لا تسمع:
ولنمض في جولتنا مع "رولف ايتالياندر" حول افريقيا .. لنتوقف قليلا عند هذا الساحل الويل الذي يدور مع البحر الأبيض في الشمال الغربي من افريقيا، لنتأمل هذه الأرض الطيبة الدافئة التي أصبحت تجري فيها أنهار الدماء والدموع والآلام .. الجزائر، (الجزائر الفرنسية) التي لا تقل في (فرنسيتها) عن نورماندي أو بريتاني، وأي باس في أن يعترض على ذلك عشرة ملايين من الإفريقيين المسلمين ما دام نحو مليون من الأوربيين يرددون تلك (الحقيقة) صباح مساء؟
"الجزائر الفرنسية .. وإن احتجت على ذلك أغلبية البلاد من لمسلمين الذين لا يريدون أن يصبحوا فرنسيين، وماذا يهم؟ أن أوربا لا تسمعهم ولا تعيرهم التفاتا .. هكذا قال ملك فرنسا لويس فيليب في سنة 1835 حينما نشبت حرب الجزائر: ( .. وماذا يضيرنا إذا انطلقت في سماء الجزائر مائة ألف قذيفة؟ إن أوربا لا تسمع).
وأوربا في ذلك الوقت كانت هي العالم .. هي الضمير البشري .. هي كل شيء .. وهكذا يعتقد حتى الآن أولئك المليون من الأوربيين المستعمرين ممن لا يزالون مؤمنين بأن أوربا هي سمع لعالم وبصره وأن الناس في خارج أوربا ـ إذا جاز أن يعتبروا ناسا ـ ليس لهم عيون ترى ولا آذان تسمع ..
ويقول جان بول سارتر: هناك "حقيقة" لا يعرف هؤلاء المستوطنون الأوربيون غيرها في الجزائر: هي أنهم اختصهم الله بنعمة البشرية، وأن أهل البلاد الأصليين "أشياء" لم ترتق بعد إلى هذه الدرجة.
وقد كنت قمت بأول رحلة إلى الجزائر في سنة 1931 حينما لم يكن الشعور القومي في هذه البلاد قد نضج ولا تشكل في صورته الحاضرة، وكان أول ما صدمت به هناك أن هؤلاء الأوربيين الذين تعاقبت أجيالهم منذ قرن من الزمان لم يوفقوا إلى فهمها قط .. بل لم يحاولوا ذلك حتى مجرد محاولة، ولهذا لم يكن من العسير على أي عقل قدر له نصيب من التحرر أن يتنبأ بما سوف يحدث ..
ومن الغريب أن أوربا التي لم تكن ترى ولا تسمع في سنة 1835 ظلت عاصبة عينيها ومصمة أذنيها أكثر من مائة سنة، ففي 8 مايو 1945 قام الجزائريون المساكين وفي نفوسهم بقية من ثقة منتصرين بانتصار الحلفاء "الديمقراطيين" على ألمانيا النازية، ومطالبين "أصدقاءهم" الفرنسيين بتحقيق وعودهم لهم بمنحهم نصيبا من الحرية، فماذا كانت النتيجة؟ انطلقت المدافع الفرنسية إلى صدور الجزائريين فقتلت منهم في سطيف بضعة آلاف في ساعة أو بعض ساعة ..
وما ذا يهم؟
أن فرنسا ـ ومعها أوربا ـ ما زالت بعد لا ترى ولا تسمع ..
"الديمقراطية" في كينيا:
ولنترك الجزائر، وننتقل إلى طرف آخر من أطراف افريقيا .. إلى كينيا التي تسمى مع تنجانيقا وأوغندا "افريقيا الشرقية البريطانية". وكينيا بلد تسوده الديمقراطية الخالصة التي اجتهد الانجليز في تلقينها للإفريقيين. وقد بدأ حكمهم لها في سنة 1885 ـ كما هو المتبع في السياسة البريطانية ـ عن طريق الشركات التجارية، وكانت "الشركة البريطاني لشرق افريقيا" هي التي وقعت على عاتقها "تبعة" نشر الحضارة والديمقراطية في كينيا، وسرعان ما أصبحت هذه البلاد ملكا (بكسر الميم وسكون اللام) للتاج البريطاني حتى يضطلع فيها بمسؤوليته الكاملة.
ويعيش الآن في كينيا نحو ستة ملايين ونصف من البشر منهم 152000 من الهنود، و33000 عربي ونحو 57000 من الأوربيين، ولا تزيد نسبة السكان البريطانيين في كينيا على (0,9 بالمائة) من مجموع السكان.