تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعتدنا كذلك أن نتحدث في كثير من الاحتقار والسخرية عن الأمية المنتشرة في شعوب افريقيا، ونسينا أنه إذا نظرنا إلى بلد أوربي مثل ألمانيا في أوائل القرن التاسع عشر فإننا نجد أن نسبة بالغة الضآلة كانت هي القديرة على تذوق أدب "غيتة" أو تفهم (شيللر) وأن الأمية كانت بلا شك منتشرة في أمم العالم القديم التي أنتجت لنا حضارات خالدة نرمقها اليوم في إعجاب يكاد يصل إلى حد التقديس، ثم إن الأمية تختفي اليوم من أوساط الشعوب الإفريقية في سرعة مذهلة ولا سيما بين البلاد التي نالت استقلالها أخيرا، وهو أمر يدلنا من ناحية على طموح هذه الشعوب وإقبالها على العلم والثقافة في حماس يستحق الإعجاب، ومن ناحية أخرى على أن الدول المستعمرة لم تسع إطلاقا إلى رفع مستوى التعليم بين تلك الشعوب كما درجت على أن تزعم.

أرستقراطية اللون:

وقد اعتدنا أن نتحدث في فخر وعجرفة عن الحرية والإخاء والمساواة، واعتبرنا أنفسنا ـ نحن الأوربيين ـ خالقي هذه المبادئ، وعلى الرغم من ذلك فإننا لم نجد بأسا في أن ننادي بنظريات تناقض تلك المبادئ كل التناقض، بل تصور إلى أي حد يصل تفكيرنا من السخف والغرور، حينما قام كثير من مفكرينا في القرن التاسع عشر بوضع تلك النظريات التي لا تقوم على أي أساس علمي، والتي تزعم أن للأوربيين فضلا على الساميين وللبيض امتيازا على السود أو الصفر، ولنذكر ما كتبه الفريد روزنبرج "مفلسف" الحركة النازية حينما قال أن الرجل الأبيض ينبغي أن يتخذ قرارا حاسما في مسألة إبادة الجنس الأسود والقضاء عليه حتى لا "تتلوث" به قارتنا الأوربية، ولنذكر ما كتبه الكونت "جوبينو" الذي ضمن أمثال هذه الآراء رسالة له سماها "اختلاف الأجناس البشرية"، وكانت أساسا لكل ما كتبه حول ذلك المفكرون المدافعون عن مبدأ التفرقة العنصرية، وما أصدق ما كتبه عن هذا المبدأ المفكر بومون إذ قال: (لقد ابتليت البشرية بكثير من ألوان الأرستقراطية، ولكني لا أعرف منها أكثر سخفا ولا حماقة من ارستقراطية اللون والبشرة).

سيدي ... الولد:

واعتدنا كذلك على أن نعامل الإفريقيين معاملة (خاصة) .. على أنهم أقل بدرجات في مراتب الإنسانية عن أمثالنا من البيض الأوربيين، ولم تفلح دعوات المصلحين الإنسانيين في تحويلنا عن تلك المعاملة .. ولا ذكر على ذلك مثلا بسيطا شهدته بعيني في الكونغو قبيل استقلاله، فقد جرت عادة البلجيكيين هناك على أن يتوجهوا بالخطاب إلى أي فرد من أفراد شعب الكونغو بكلمة (الولد) مهما كان مركزه أو ثقافته أو سنه، ثم أرادت الحكومة البلجيكية قبل أن ينال الكونغو استقلاله بقليل أن تخفف من اثر الوقع السيء الذي يتركه مثل هذا التعبير، فأصدرت أمرا بما يستخدمونه في الخطاب بين بعضهم البعض، فماذا كانت النتيجة؟ كان البلجيكي إذا تحدث مع أي مواطن من الكونغو ناداه بقوله: أيها السيد .. الولد .. وأطلق ضحكة ساخرة .. أترانا نعجب بعد ذلك إذا نظر إلينا الإفريقي اليوم بعيون ملؤها الكراهية؟

*********

وليعذرنا القارئ إذا كنا بدأنا في عرض محتويات هذا الكتاب من آخره، فالواقع أن خاتمة الكتاب التي سقنا موجزا لبعض فقراتها المهمة إنما تتضمن ناحية من أبرز نواحيه .. إذ أن هذا الكاتب الأوربي يتحدث فيها بصراحة مرة عن موقف أوربا إزاء قارتنا الإفريقية، وحديثه أشبه ما يكون (بالاعترافات) ولكنه لا يكتفي بذلك، بل يدعو الضمير في مختلف بلاد العالم ولا سيما الأوربية والأمريكية إلى التفكير عن كل تلك الخطايا بانتهاج سياسة جديدة لا تقوم على الارتجال والتسرع، وإنما على تربية (وعي جديد)، ولا سيما في طبقات شباب المثقفين، وهو يطلقها صيحة جريئة داعبة إلى) مراجعة حساب أوربا) في هذه القارة، وإلى تطهير النفوس والنوايا قبل أن تستمر أوربا في سياستها الغاشمة الحمقاء.

وهو يختم كلامه بقوله: إني أخشى أن تكون الفرصة قد فاتت، ومع ذلك فإننا إذا أخلصنا الضمائر واستمعنا لصوت الحق والعدالة فقد يكون هناك مجال لإصلاح بعض ما أفسدت أيدي السفهاء منا .. وإنهم لكثير ..

********

والمؤلف بعد ذلك يستعرض صورا من حياة القارة الإفريقية يرسمها في صدق ودقة من خلال زيارته الأخيرة لبلاد هذه القارة ولقائه لكثير من زعمائها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٩٣