تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التعصب والمبالغة، وهو أمر مؤسف إلا أنه إذا أردنا أن نصلح أخطاء الماضي وننتهج طريقا جديدة يؤدي بالعالم إلى السلام فإنه لا بد للمفكرين الأوربيين الأحرار أن يتحملوا تبعيتهم في "تحرير" شعوبهم من تلك الجرائم التي طالما ارتكبوها ولوثوا بدمائها أرض القارة الإفريقية.

ماذا فعلت بأخيك؟

وقد كان من أول هؤلاء المفكرين الأحرار الذين رفعوا صوتهم منادين بذلك الكاتب الفرنسي رومان رولان الذي قضى الشطر الأعظم من حياته مدافعا عن الثقافة الأوربية حتى فطن أخيرا إلى ندى ما في هذه الثقافة من عناصر الفساد والانحلال، فإذا به في سنة 1916 يكتب قائلا:

(إن حضارتنا الأوربية أصبحت تفوح منها رائحة الجيف .. إنها جسد ميت يدعو إليه الدافنين حتى يريحوه ويريحوا منه بمواراته في التراب).

ويذكر رومان رولان في معرض الحديث بين الرجل الأبيض وإفريقيا السوداء أن هناك أسطورة شائعة بين الإفريقيين يفسرون بها علة بياض بشرة الأوربي، إذ يقولون أن الله تعالى سأله: ما ذا فعلت بأخيك الإفريقي؟ فشحب وجهه وابيض من فرط الخجل والخزي، وبقي هكذا إلى الأبد ..

على من تقع التبعة؟:

إن التبعة في كل ما قاسته شعوب القارة الإفريقية في الماضي وما تقاسيه في الحاضر، إنما تقع على الأوربيين وحدهم، وإذا كنا نريد اليوم ـ نحن الأوربيين ـ أن نكفر عن جرائمنا فينبغي علينا أن ننسى غرورنا واعتقادنا الخاطئ بأننا أسمى من غيرنا .. علينا أن نحاول إقامة علاقاتنا بشعوب افريقيا وآسيا على أساس جديد من الاحترام والحب والإخاء .. علينا أن نطهر أنفسنا من شوائب الماضي قبل أن ندعو الشعوب الإفريقية إلى احترامنا أو الثقة فينا، فإننا ما دمنا على ما نحن عليه فإنه ليس من شك في أننا غير جديرين بأي ثقة ولا احترام ..

التبشير:

لقد اعتدنا مثلا على اعتبار ديننا هو المثل الأعلى للقيم الروحية دون أن نحاول تفهم ما في الأديان الأخرى من فضائل، وساقنا الغرور إلى محاولة فرض المسيحية على كثير من الشعوب الإفريقية المسلمة عن ريق سياسة تبشيرية حمقاء، كان التبشير يسير فيها مع الاستعمار في ركاب واحد، لقد تدخل المبشرون في السياسة بشكل مباشر وأصبحت مهمتهم هي تخدير الإفريقيين واتخاذ نشر الدين ذريعة لمد السيطرة الاستعمارية عليهم، وإبقائهم خدما إن لم نقل عبيدا للرجل الأبيض، أترانا نعجب إذا رأينا الإفريقيين يسعون في أول عهدهم بالاستقلال إلى طرد هؤلاء المبشرين الذين لا يمثلون إلا ظلم الاستعمار وطغيانه وأما المسيحية فإنها منهم بريئة ..

الثقافة:

وقد اعتدنا ألا نعترف بثقافة ألا تكون ثقافتنا الأوربية وكان العالم خلا من الثقافات قبلنا، وكأننا نسينا أن حضارتنا لم تولد إلا على أساس ما اغترفته مع منابع الحضارات الوثنية التي قامت في العالم القديم والحضارة الإسلامية التي ازدهرت في العصور الوسطى، وقد أثبتت الأبحاث التاريخية أن كل "المجاهل" الإفريقية التي غزاها الرجل الأبيض فيما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر لم تكن من "المجاهل" في كثير ولا قليل، وإنما كانت مهاد حضارات عظيمة عريقة في القدم، وأن سكان تلك المناطق لم يكونوا من التأخر والجهل بحيث يتصورهم الأوربيون في العصر الحاضر، وقد كان من أبشع الجرائم التي ارتكبها المستعمرون البيض هو تدمير معالم تلك الحضارات حتى يصوروا للناس بعد ذلك أن افريقيا لولاهم لكانت فريسة للجهل والوحشية، ولنذكر من أمثلة ذلك أن المستعمرين البيض حينما حلوا في جنوب افريقيا عثروا هناك على آثار ترجع إلى آلاف السنين، وتدل على أن هذه المنطقة كانت قد ازدهرت فيها حضارة عظيمة لعلها أقدم حضارات العالم، غير أن التعصب ـ ولا أبالغ إذا قلق التوحش ـ قد بلغ بهؤلاء المستعمرين إلى حد طمس جميع تلك المعالم والآثار حتى لا يخالج الناس شك في أن أوربا هي التي جعلت من سكان هذه البلاد بعد أن كانوا إحدى الفصائل الحيوانية ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٩٢