ومن شيوخه ـ كما قال في نوع الترصيع ـ ص143 ـ قال: قال لي شيخنا أبو عبد الله ـ قدس الله روحه ـ أن سورة الواقعة من نوع الترصيع، وتتبع أجزائها يؤن بأن فيها موازنة قال: ويحتمل كلام الشيخ (ض) وجهين: أحدهما أن تكون تسمية السورة بجملتها ترصيعا، اعتبارا لأحد جزأيها، والثاني أن يكون سماها بجملتها ترصيعا، إلقاء الفصلين بين الترصيع والموازنة كما فعل أبو الفرج قدامة، فإنه جعل الترصيع والموازنة بابا واحدا وترجم عليها باسم الترصيع، وبالجملة فما يكن منها في نوع الترصيع فهو في الموازنة، وهما متقاربان وكل ذلك مما ورد في التنزيل، وما ورد منهما فيه ففي أعلى طبقة لتوفر الشروط فيهما.
وأوردت هذا النص برمنه ليعلم القارئ من خلال هذا النقاش بين الأستاذ وتلميذه ـ أن مدارسنا في هذا العصر كانت تدرس البلاغة في مستوى عال، وفي جو قرآني أدبي، وكان لكتاب أبي محمد السجلماسي صدى في الأوساط الأندلسية، وتقبل حسن من علمائها، فهو لم يكد يظهر إلى الوجود ويرى النور حتى رأينا عالم المرية ابن ليون سعد بن أحمد بن ابراهيم التجيبي 750 هـ يقدم له خدمة جليلة وما أحراه بها ـ فيهذبه ويزيل ما به من منطقيات وفلسفيات، وربما كان هذا الفرع أفيد من أصله (5).
وإذا أوضحنا بعض جوانب من حياة المؤلف فلنعد إلى الكتاب، ولنبدأ ـ بادئ ذي بدء ـ بالتعريف بالمخطوطة وهي ـ فيما أعلم ـ نسخة فريدة لا أخت لها، توجد بمكتبة المعهد العالي بتطوان تحت رقم 932، والمخطوطة مجلد ضخم يقع في 236 ـ صفحة من القطع الكبير، النوع القديم، في كل صفحة 26 سطرا بخط مغربي جيد، وتعتبر هذه النسخة على ما يبدو ـ الفرع الثاني للأصل وهو منقول عن الفرع الأول لتلميذ المؤلف: ابراهيم الغساني السالف الذكر.
والنسخة كثيرة التصحيف والتحريف، مما يجعل القارئ يقف طويلا في قراءة كثير من فصول الكتاب، ويحار أحيانا في فهم بعض عباراته ونصوصه.
والكتاب يبدأ بمقدمة أبان فيها المؤلف أن الغرض من كتابه: (إحصاء قوانين أساليب النظم التي تشتمل عليها الصناعة الموضوعة لعلم البيان وأساليب البديع، وتجنيسها في التصنيف وترتيب أجزاء الصناعة في التأليف، وتحرير تلك القوانين الكلية، وتجريدها من المواد الجزئية)، ثم بين أن كتابه يشتمل على عشرة أجناس: الإيجاز، التخبيل، الإشارة، المبالغة، الرصف، المظاهرة، التوضيح، الاتساع، الانثناء، التكرير).
وقد أوضح المؤلف في هذه المقدمة، وفي كثير من أبواب الكتاب أن موضوع كتابه ليس علم البديع فقط ـ كما يوهمه عنوان الكتاب ـ بل ما يشمل البيان، على أن إلحاق البديع على ما يشمل علوم البلاغة استعمال قديم منذ عهد الجاحظ إلى ما بعد القرن الخامس الهجري، وربما كان السكاكي أول من قسم البلاغة إلى معان، وبيان وبديع، وجعلها علوما ثلاثة وأقام الحواجز الفاصلة بينها، وهو تقسيم لم يقل به أحد قبله، ولا ينبني على أساس صحيح (6)، وقد يكون مؤلفنا السجلماسي استوحى فكرة تقسيم البلاغة إلى عشرة أجناس من أبي بكر الباقلاني (430) في كتابه إعجاز القرآن، فهو بعد أن سرد أنواعا من البديع بما فيها التشبيه والاستعارة والمماثلة، قال أن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وذكر أن البلاغة عشر أقسام الإيجاز، التشبيه ... إلخ.
والرماني (384) يجعلها في كتابه النكت ثمانية: (الإيجاز، الاستعارة، التشبيه، البيان، النظم، التصرف، المشاكلة، المثل) وأبو محمد اعتمد كثيرا على هذين الكتابين، وإن كان نقد أبا بكر في عدة مسائل، على أن فكرة التجنيس والتنويع ذهبت ببعضهم إلى أبعد من هذا، فهذا أبو القاسم عامر بن هشام القرطبي، كاتب أبي عبد الله حفيد ابن عبد المومن ـ المتوفى 623 هـ ـ ألف كتابا في أجناس التجنيس، وطريقة الأجناس والأنواع وان كانت تقوم مقام الأبواب والفصول، وفيها تجديد وضبط لقواعد الفن ومسائله، فهي طريقة فلسفية عميقة، تخضع لحدود ورسوم منطقية، لا علاقة لها بجو البلاغة، ولا تمت بصلة إلى موضوعها الفني.
5 ـ انظر درة الحجال، المرجع السابق.
6 ـ انظر تاريخ علوم البلاغة للمراغي، ص 111/ 115.