تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الفراغ منه سابع رجب عام تسعين وأربعمائة هـ "كذا" ولعل الصواب: سبعين وسبعمائة بالباء الموحدة فيهما، والخطأ من الناقل لا من الناسخ الأول (الغساني) ويجوز أن يكون أبو القاسم بن محمد بن ابراهيم الغساني المعروف بالوزير، الطبيب المغربي المشهور، صاحب المؤلفات العديدة في الطب المتوفى 994 هـ من حفائد الغساني المكور، ومهما يكن فالذي يترجح أن كنية المؤلف هي أبو محمد، واسمه الخاص القاسم.

وأبو محمد من العائلات الأنصارية التي وردت على المغرب في فترات تاريخية، وهي منتشرة بكثرة في الأوساط المغربية والأندلسية، ويوجد مكتوبا على ظهر الورقة الأولى من المخطوطة في زاوية إلى اليسار بخط خفي: (الأنصاري النجار، السجلماسي الدار).

ويبدو مما جاء عرضا ـ في درة الحجال ـ ج 2 469 ـ: أن النسبة الأصلية لأبي محمد تنوسيت وتنوسي معها أن أبا محمد ولد ونشأ بسجلماسة، ورحل إلى فاس للأخذ عن علمائها، وجلس للتدريس بها، وهناك، ومن أحد كراسي (القرويين) أملى على تلاميذه كتابه (المترع البديع) وفرغ من إملائه أواخر صفر عام أربع وسبعمائة هجرية، وممن تلمذ له ابراهيم بن محمد الغساني الشهير بالوزير، أما متى ولد؟ ومتى توفي؟ وأين؟ فذلك ما لا نستيع تحقيقه الآن، وكل ما نستطيع أن نقول هو أن أبا محمد السجلماسي من مواليد النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وأن وفاته ربما كانت في العقد الثاني أو الثالث من المائة الثامنة للهجرة.

وعاش أبو محمد في العصر المريني، الي ازدهرت فيه علوم العربية، وبلغت ما لم تبلغه في أي عصر كان ونال علم البيان اعتناء كبيرا، والمرجح أنه في هذا العصر ابتدأ تدوين البلاغة بالمغرب، وربما كان أبو محمد السجلماسي أول مؤلف فيها بالمعنى الصحيح. وممن أسهم في هذا الميدان من علماء هذا العصر:

1) ابن البناء المراكشي: أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان (721 هـ) له كتاب (الروض المريع في صناعة البديع) وتكلم عن كثير من مسائل البلاغة في تفسيره سورة الكوثر، حتى قال بعضهم: أن أبا عبد الله الضرير المراكشي استقى منه كثيرا في نظمه لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان (4).

2) ابن رشيد: أبو عبد الله محمد بن عمر السبتي (721 هـ) وأكثر مباحث ابن رشيد في البديع، وله في ذلك كتابان: أحكام التأسيس في أحكام التجنيس، ـ وإيراح المريع لرائد التشجيع والترصيع.

3) أبو القاسم الشريف: محمد بن أحمد السبتي (760هـ) له شرح على مقصورة حازم سماه رفع الحجب (المنشورة)، على محاسن المقصورة، تناول في مقدمته دراسة أصناف البديع، وكثيرا من مسائل البيان كالتشبه والكناية والاستعارة.

4) أبو عبد الله المراكشي: محمد بن عبد الرحمان الضرير (807هـ) له رجز في علوم البلاغة، حاذى فيه مصباح ابن مالك، قيل أنه التقطه من الحلية، والطيبي، والتجهيدي، والصناعتين للعسكري .. وأخذ كثيرا من تفسير سورة الكوثر لابن البناء ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا. ولأبي عبد الله الضرير شرح على هذا الرجز أملاه على تلاميذه في حلقات دروسه بمراكش.

ويجب أن نلاحظ أن هناك ظاهرة تبدو جلية على مؤلفات هذا العصر، وهي أنها اتجهت أكثر إلى الصنعة اللفظية، والمحسنات البديعية، حتى الذين ألفوا في البلاغة والبيان، حاولوا أن يكسوها حلة بديعية، وجعلوا عناوين كتبهم (البديع) ولعل للعصر الذي عاشوا أثرا في ذلك، ومعلوم أن العصر المريني كان عصر الزخرف والصنعة، طفت على رجال الأدب فيه (موضة) التفنن والإبداع، وربما كان هذا هو الحامل لابن خلدون أن نقول فيهم ما قال.

وكان أبو محمد السجلماسي على جانب كبير من الثقافة اللغوية والأدبية، وله تضلع في النحو ومذاهبه ومشاركة في التفسير والحديث، والفقه والأصول، وله إلمام بعيد في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وكان متأثرا بفلسفة أرسطو، وله آراء في البلاغة والنقد تتجلى في كثير من مباحث كتابه (المترع البديع).

4 ـ الأعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ـ عباس ابن ابراهيم ج 4 ـ ص127.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٨٨