هل كان ذلك بسبب امتياز العرق كما يزعم جل علماء الأجناس الذين يعتبرون المميزات الفيزيولوجية النفسية هي المحرك الأول، فكان هنالك امتياز لجنس خاص (هو الأبيض) على الأجناس الأخرى، وجواب تويني أن استقراء بسيطا لتاريخ الحضارات يثبت أنها لم تكن منحصرة في عرق واحد، بل نرى كل الأجناس لها نصيب وإسهام. إذن هل للبيئة الطبيعية والظروف المناخية شأن في نشوء الحضارات على أساس أن الإقليم المعتدل والموقع الجغرافي المواتي هما من جملة الحوافز البيئية على الازدهار الحضاري؟ إن تويني يرفض مرة أخرى هذا الرأي لأن البيئة وحدها عاجزة عن تفسير هذا الانتقال من طور جامد إلى طور حي، لأن وحدات اجتماعية كانت عديدة موجودة في ظروف جغرافية متشابهة، ولكنها مختلفة كل الاختلاف من حيث السمة الحضارية المميزة.
إن التفسير الوحيد الذي يشرح لنا تماما فكرة النشوء الحضاري تفسير نفسي النزعة قائم على مفهوم التحدي والاستجابة: تحدي من الطبيعة والظروف البيئية والاجتماعية الصعبة واستجابة ناجحة من طرف الإنسان أي رد التحدي الخارجي بالتحدي البشري النفسي على هذه العوارض في طريق الانطلاق الحضاري.
وهنالك أدلة "تاريخية" تؤكد رأي تويني في مفهوم التحدي: قبل فجر المدينة كانت البوادي الإفريقية الآسيوية ـ الصحراء الكبرى وبلاد العرب ـ ملأى بالأعشاب والمياه، ثم إن جفاف هذه السهول الخصبة كان عبارة عن تحدي للسكان، فقابلوه بطرق مختلفة، فالبعض ظلوا مقيمين فيها إنما بدلوا عاداتهم وأصبحوا بدوا رحلا، والآخرون انتقلوا إلى المناطق المدارية في الجنوب، حيث الغابات وحافظوا على حياتهم الابتدائية، وأما الآخرون فقد دخلوا مستنقعات وغابات وادي النيل والدلتا وقبلوا التحدي وعملوا على تجفيفها وإعدادها للزراعة وأتوا بالحضارة المصرية. وكذلك الحضارة السومرية فقد ظهرت بنفس الأسلوب في دلتا الدجلة والفرات، وكذلك حضارة الصين في وادي النهر الأصفر، لا ندري من أي نوع كان التحدي، ولكن الأحوال كانت صعبة، والحضارة الايجية المينوسة كان أصلها تحدي البحر للسكان وردهم على تحدي البحر بالتغلب بإقامة السدود والحواجز وغير ذلك.
ويمكن حصر هذه التحديات الخارجية والدوافع البيئية في خمسة أنواع:
1 ـ دافع الأراضي الصعبة: كما في ألماني، ووادي الرين، حيث نجد فيها الظروف الطبيعية صعبة، ولكن الانسان قهرها وتغلب عليها حينما عبد الجبال وأقام السدود وأزال الأحراش وجفف المستنقعات.
2 ـ دافع الأرض البكر: أي أن الأرض الجديدة تثير الهمم والأرض البكر تولد رد فعل أقوى من ذلك الذي تولده أرض ذات حضارة سابقة، وهكذا ازدهرت الحضارة المسيحية والاسلامية خارج مهود نشأتها الأولى.
3 ـ دافع النكبات: إن الهزائم العسكرية والاحتلال الغاشم، كثيرا ما يكون حافزا على التغلب على هذه النكبات، مثال ذلك هزيمة العثمانيين على يد تيمورلنك استثارت نخوة محمد الفاتح، فاستولى على القسطنطينية ـ وكذلك ألمانيا بع الحرب الأولى.
4 ـ دافع الضغط: هذه الحالة كثيرا ما نلاحظها عند الشعوب المتآخمة على حدود دولة دائمة التحفز العدواني، فهذا الخطر الداهم على الحدود من شأنه أن يخلق عندهم تحديا له واستعدادا متواصلا، كما حدث في تاريخ الحضارة المصرية مع هجومات وغارات البدو المتواصلة.
5 ـ دافع العقوبات: إن ما لاقته بعض الأجناس البشرية والطبقات الاجتماعية، من ألوان الاضطهاد على أيدي الفئات الطاغية المستبدة كان باعثا لطوائف تلك الأجناس على خلق أرقى وأزهى الحضارات، فالحرمان من المفقود يحفز المحرومين على التعويض عما فقدوه من حق المشاركة في بعض الميادين بالتبريز المبدع في ميادين أخرى.
وإذا كانت هذه العوامل من شأنها أن تشرح لنا أسلوب الحضارات، فهي غير كافية لتوضيح نمو الحضارات، أي أن الحضارة قد تنشأ ولكن قد لا تنمو، فإذا كان التحدي يشرح لنا سر النشأة الأولى فلا بد من شيء آخر لاستمرار التقدم الحضاري فالتحدي يجب أن يستدعي رد فعل، ولكن لا بد من تحد ثان وثالث ورابع، ورد فعل ثان وثالث ورابع وهكذا، أي هناك مرحلة تخلخل فتوازن فتخلخل فتوازن، وكلما استمرت هذه الدورة نمت الحضارات، وإذا ما توقفت حركات التحديات وردود الفعل توقف النمو، فهنالك إذن تحقيق غاية وصراع جديد أو حل مشكلة ومجابهة أخرى.