تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتقدم الحضاري هو تقدم بشري لا مادي أو تقني، لأن الاعتبار في الحضارة اعتبار كيفي لا كمي، والحضارة لا تقوم على مجهود أفراد منفردين، أو على جماعات مستقلة عن الأفراد، وإنما على التفاعل الجيد بين الفرد والمجتمع، أو بعبارة أوضح إلى وجود القوة الخلاقة المنحصرة في الأقلية الموجهة التي تدفع بالمجتمع إلى الأمام.

والحضارة تسقط وترجع القهقرى إذا ما توقفت الردود الفعلية على التحديات الخارجية أو حينما تضعف هذه الفئة الموجهة في القيادة وتعجز عن إيجاد الحلول الناجحة للصعوبات الخارجية، أو نراها تصبح فئة مسيطرة لا خلاقة.

ويعلق تويني على فكرة التحدي فيقول بأن التحدي يجب أن نفهمه ضمن الاستطاعة البشرية أي أن تحدي الطبيعة يجب ألا يكون فوق ما يتحمله البشر، إذ أن لهذه التحديات الطبيعية والبشرية مدى معينا، يجب ألا تتعداه حتى تكون الاستجابة الخلاقة ممكنة ـ فهي ليست مما يعجز الجهد البشري ولا مما ينقاد له بسهولة كل الانقياد، فالرخاء المفرط في البيئة عدو الحضارات اللدود (كما في المنطقة الاستوائية حيث كل المواد الغذائية متوفرة)، وكلك قسوة العوائق قسوة خارقة من شأنها أن تشل كذلك النشاط الإنساني، وتسقط الأجنحة الحضارية قبل أوانها (سكان المناطق القطبية والصحراوية) فالتحدي المقصود إن هو التحدي المستطاع.

فالحضارة تنمو إذا ما توفرت هذه الشروط، وهي تبدأ في الانحدار والضعف متى زالت هذه الشروط. ورأي تويني حول الحضارة المعاصرة رأي يتأرجح بين حلين لا ثالث لهما:

أما أن تقوم حرب عالمية ذرية ماحقة لأن الفئة الحاكمة فشلت في إيجاد الانسجام بين حاجيات الناس وبين واقع البيئة.

وأما أن تقوم حضارة عالمية واحدة تنهض بها الديانة الرباعية المنشودة وهي المسيحية والإسلام والبوذية والهندوكية، ولا بد من هذا التعاون لأن كل دين من هذه الأديان الأربعة نقص للآخر: فالمسيحية غنية بالمفاهيم الإنسانية ولكنها في حاجة إلى واقعية الإسلام ـ والهندوكية والبوذية لا بد من أن تطعما بالفلسفة الإسلامية والمسيحية، والإسلام كما يدعي تويني في حاجة إلى القيم الإنسانية الرفيعة للأديان الثلاث الأخرى، فخلاص العالم وإنقاذ الحضارة المعاصرة سيكون على يد هذه الديانة الرباعية لأن تويني يستبعد النظرة المتشائمة الأولى في قيام حرب طاحنة عالمية، ولكن الحل الثاني صعب التحقيق ولا بد من أفراد يتحدون التناقض الحضاري المعاصر بإقامة فلسفة دينية جامعة وبها فقط يكون خلاص العالم.

إن أهمية فلسفة تويني التاريخية راجعة إلى تحويل المفاهيم الحضارية من الحقل المادي الاقتصادي البحت، إلى الاعتبارات النفسية الباطنية التي لم تكن في حسبان فلسفة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكذلك تأتي جدة هذه النظرية في إعادة إرجاع الحق المهضوم للدين كإنقاذ البشرية وكطريق للخلاص، فكان تويني يعكس ميل العصر ويلخص الطابع الذي أصبح هو السائد في كتابة الكتاب ودراسة الدارسين، وهو بذلك أعار للنفس البشرية وللروح الدينية مكانتهما في حل ألغاز الماضي السحيق، وفي قيادة الحضارة الإنسانية إلى هدفها الحقيقي، هذا الهدف النبيل الذي لا ينكره إلا جاحد متعصب كافر بالقيم الخالدة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٨٦