دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص50
فلسفة التاريخ عند أرنولد توينتي
للأستاذ: جمال بغدادي القادري
مفكر انجليزي معاصر أتلا بنظريات جريئة في مجال الدراسات الحضارية، واستطاع بذلك رفع الستار عن بعض الحوافز الخفية التي دفعت شعوبا ابتدائية إلى الازدهار الحضاري وأخرى انحدرت إلى التقهقر والعقم ـ إنه لسؤال حير كل من اشتغل في حقل الحضاريات، وهذا السؤال الكبير يدور حول العوامل الأساسية التي خلقت هذه الحضارات الشهيرة، وهل حدث ذلك عفويا أم بفضل العناية الإلهية أم لامتياز عنصر عرقي، وهل للظروف الطبيعية الجغرافية دخل في هذا الاعتبار، أم أن الثورة الاقتصادية هي الشرارة الأولى التي حفزت الهمم.
إن تاريخ الفكر الفلسفي اعتنى ـ في جملة ما اعتنى ـ بهذا اللغز وتصدى له بعزم مفرطا في التحيز متواضعا حينا آخر، وآخر هذه المحاولات ما كتبه الفيلسوف الانجليزي "أرنولد تويمتي" في كتابه "دراسة في التاريخ" حيث عرض بإسهاب نظريته الشهيرة، جول التعامل التي جعلت الشعوب البدائية تنشيء الحضارات الخالدة، وكيف تنحدر بعضها إلى الخمود والموت.
وقد بدأ كتابه بانتقاد المفاهيم الشائعة في هذا الموضوع، فهو لا يقبل ربط الحضارة بالأمة لأن مدلول الحضارة أوسع مجالا وأشمل رقعة، فانجلترا تدخل في حقل الحضارة الغربية أو الحضارة المسيحية، ولم تكن هي بنفسها حضارة خاصة بها ـ ولهذا أمكن تقسيم الحضارات المحلية ـ إن صح ها التعبير ـ إلى وحدات اجتماعية ذات سمات حضارية مشتركة مع الحضارة الأم ـ وهو ينتقد بشدة تلك الأسطورة التي تزعم أن الغرب شعب الله المختار، وأن الشرق لا سبيل له إلى الإبداع الفني أو الاختراع العلمي الأصيل، مع أن التاريخ الحضاري يثبت أن الشرق لم يكن جامدا مقلدا في كل حين، وأن الغرب لم تجد الجهالة سبيلا إليه.
ومن الخطأ أيضا الظن بأن المخطط البياني لتطور الحضارات يسلك الخط المستقيم، بدون انحراف أو اعوجاج، فالواقع أن التطور سلك دوما مسلكا "لولبيا"، فتارة يرتفع وتارة أخرى ينحدر وينخفض المستوى ـ وليس صحيحا أيضا أن مصر، هي أم الحضارات كما نجد هذا الزعم عند أغلب من اهتموا بدراسة الحضارات، لأن الحفريات تكشف لنا كل حين عما وصلت إليه شعوب ما قبل العهد الفرعوني من تقدم مادي وفكري.
ومفهوم التصنيف الحضاري عند تويني يقوم على أساس ما لهذه الحضارات من قوة حية ديناميكية، أو مالها من صحة الجمود والانقطاع، ولهذا نراه يقسم الحضارات البشرية حسب هذا الرأي إلى إحدى وعشرين حضارة منها خمس عشرة حضارة استطاعت أن تنقل من حالة الجمود إلى طور ديناميكي خلاق، وست حضارات بقيت على حالتها البدائية الجامدة.
وبعد هذا التقسيم ندخل مباشرة في صميم المذهب التويني، حينما نتساءل عن الأسباب التي جعلت هذه الشعوب البدائية تنسلخ من حالتها الجامدة إلى طور حي فعال، هو الطور الحضاري الحقيقي، وما هي الدوافع الفعالة التي كانت العامل الأساسي في هذا العبور.