وربما طوروها عن قصد إلى ما نجد في قصائدهم اليوم من تشابك في القوافي لم يكن يعرفه الشعراء في الأندلس. وفي شعر "لو كنت دي بواتي" le Comte de Poitiers وراهب مونتدرون Le moine de montandon ومجريت Magret منظومات ألحان الروندي Rondet التي كانت شائعة في القرن السابع عشر، دليل على هذا التأثير الذي كاد أن يختفي بعد عصر النهضة حيث كانت الغلبة للغة الشمال التي كان شعراؤها يعرفون بالتروفير.
وفي إيطاليا كان التأثر ظاهرا إلى أبعد الحدود بسبب اتصالها عن قرب بالمسلمين في صقلية، وقد اهتدى المستشرق الاسباني ميلاس فليكروزا Millas Villiorosa إلى الشبه الكبير بين موضوعات التوشيح وموضوعات شعر الغجريات، وبين قالب الكنترستو Contrato والبلاتا M. Ballata وقالب الموشحات.
ولعل التروبادور البروفانسيين هم الذين نقلوا ها الفن الأندلسي إلى إيطاليا، ففي كتب التاريخ أن الأمير برنجر حين ذهب إلى مدينة ميلان الإيطالية ليقابل الإمبراطور فريديريك الأول ليتسلم منه ظهير توليته رئاسة عمالة بروفنس، صحب معه عددا من هؤلاء التروبادور ففتن بهم الإمبراطور لما كانوا ينشدون من أشعار يغلب عليها الطابع الأندلسي، وعن هؤلاء مباشرة أخ الشاعر الإيطالي الكبير بطرارك قوالب فن الموشحات.
أما عن اسبانيا فقد بحث الكاتب الإشبيلي ارجوتي دي مولينا Argote de moluna Gensalo مدى تأثير التوشيح والزجل في الشعر الاسباني وأشار إلى أن الأيام التي سبقت سقوط غرناطة وتلتها كانت بعيدة الأثر في خيال الأدباء الاسبانيين، وربما كانت القصائد الموريسكية التي تحكي قصص المسلمين، ترجمات لبعض الأغاني العربية التي كان ينشدها الأندلسيون والتي كانت من نظم التوشيح والزجل كما ذهب الباحث الاسباني بيدال Menendez Pidal إلى أن منظومات الشاعر الاسباني فسيس هيتا Hita التي كانت تتغنى بها الجماعات الإسلامية التي ظلت تعيش بعد الحكم العربي في الأندلس كانت على نمط الأغاني العربية.
ولا شك أن المغنين والمنشدين المسلمين الذين اضطرتهم ظروف الحياة إلى البقاء تحت الحكم المسيحي ساعدوا إلى حد بعيد على بقاء فن العرب، فقد حكى المؤرخ رامول بيدال أنه في بلاط سانشوا الرابع ملك قشتالة كان عدد المنشدين الذين يتقاضون مرتبا من القصر سبعة وعشرين من بينهم ثلاثة عشر مسلما منهم امرأتان.
وربما كان ينظم هؤلاء أغانيهم بلغة عربية قد تكون فصيحة، وقد تكون عامية ثم ينقلونها إلى اللغة الإسبانية قبل إنشادها في مواسم الاسبان وحفلاتهم، وقد كانوا فيما بينهم يتناشدون موشحات وأزجالا يحنون فيها إلى مجد الأندلس العربية يضمنونها ابتهالات إلى الله وتوسلات برسوله كقول أحدهم:
كن في عون المسلمين يا إله العالمين
أنت هو فرد صمد لم يكن قبلك أحد
لارتضا خير العباد
وكقول آخر:
نزور قبر النبي صلى الله عليه
الجبال افتتن من جمال ان أعطاه
رب أنعم عليه وتزلزل إله طيبوا
يا عارفين به وصلوا عليه
وقد ضاعت كل هذه المنظومات كما ضاعت نفائس التراث العربي في الأندلس، ولعل أصحابها هم الذين دمروها حتى لا يقعوا في قبضة محاكم التفتيش التي انتشرت في مختلف أنحاء البلاد تبحث عن مبطني الإسلام لتنكل بهم وتعذبهم.
وسرعان ما ضعفت عربية هذه الجالية الإسلامية فلجأ شعراؤها إلى الإسبانية ينظمون بها في نفس الموضوعات التي كانوا يعالجون من قبل من مدح للنبي وتوسل إليه.
أما بعد ها فمن شعراء الاسبان الذين ساروا في نظمهم على طريقة الزجل والتوشيح، الفريز جاتو وجيمز ديوريا وهرنندو دي كاستيو ودييجو دي فلنسيا وجارسيا فرنانديز وغيرهم من الشعراء الذين ظلوا حتى القرن السابع عشر يقلدون في نظمهم شعر الموشحات والأزجال.
8 - انظر تاريخ الفكر الأندلسي ص 619
9 - انظر تاريخ الفكر الأندلسي 228.