تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

له أن يفكر في ذلك .. وليس يستطيع أن يقدر أهمية هذا التطور الذي نشأ عن اختراع الموشحات أو يتبين خطورنه إلا من تتبع الحركة النقدية عند العرب، وعرف أن التقليد الأعمى كان رائدها في أغلب الأحايين، وأن شدة تفانيهم في المحافظة على محاكاة من تقدمهم من العرب وتتبع أساليبهم في التفكير قد وصلت إلى حد يدعو إلى الحيرة) (6).

وأما عن صياغة التفكير ففي كلام الدكتور غير قليل من المبالغة والإسراف، وأول ما نقول أن الشعر حين وفد إلى بلاد الأندلس كانت لا تزال صبغته بدوية جافة فيها كثير من سمات الإبل والصحراء، ولكنه لم يلبث أن تحرر منها ليستبدل بها صبغة متأثرة بالبيئة الأوربية الجديدة، حقا ان الشعراء كانت تأخذهم شدة الحنين إلى موطن أجدادهم في الشرق فيلجأون إلى أدب يستقون منه بعض أساليبهم وأفكارهم ويتخذونه نموذجا لهم ينسجون على منواله، ولكن هذا لم يكن ليبعدهم عن الوطن الجديد الجميل الذي يعيشون فيه، فيغفلوا عن طبيعته الخضراء بأزهارها المزركشة المتمايلة وأشجارها الباسمة المثمرة وجداولها المترقرقة ونوافيرها السالية وحدائقها الغناء ومنتزهاتها الليلية، وقد انعكست على شلالاتها أشعة القمر، أو يغفلوا عن سمائه الصافية حينا والممطرة أحيانا وما يلجأ الناس إليه من مجالس يودها الأنس والغناء والشراب، أو يغفلوا عن آثار الفن النصراني المنتشرة في كل مكان من كنائس وتماثيل وغيرها مما يسترعي النظر في البلاد الأوربية.

جال الشاعر الأندلسي في كل هذا أو كثير سواه، فتأثرت به نفسه وانفعلت قريحته فوصف كل ما وقعت عينه عليه، لم يترك شيئا في بيئته إلا اتخذه موضوعا لفنه وأصبح التحدث عن الطبيعة وجمالها عنده مدخلا لكل فنون القول في الشعر.

وهو إذا وصف لا يحاول انتقاء صوره وإنما هو يريد أن يصف كل مشاهداته يحشد لها الصور المتزاحمة والتشبيهات المتنوعة، لا يتردد أن يشبه أي شيء بأي شيء آخر مهما كانت الرابطة قوية أو ضعيفة وهو في أغلب ذلك يعمد إلى الخلق والابتكار وإبداع المعاني الرقيقة والصور الجميلة يمزج ذلك كله بموسيقى عذبة خفيفة تجعلنا نحس في شعره رشاقة تكاد تسيطر عليه في ألفاظه ومعانيه وذوقه وغير هذا مما يميز أغلب الشعر الأندلسي ولم يكن يعرفه المشارقة.

وربما كان هذا الجمال المبسوط في مل مكان وما يزدحم في ذهن الشاعر من رسومه وصوره سببا في صرف الشاعر عن إطالة النظر وإعمال التفكير إذ لم تترك له وقتا للتركيز والتعمق.

وإذن فللموشحات قيمتها وأثرها في الأدب العربي مهما أنكر ذلك المنكرون، ولولا عوادي الزمن التي جارت على فنها وعلى موطنه، ولولا التقليد الجامد الذي وقف عنده المشارقة لكان لهذا الفن مكانته في الأدب العربي غير ما هي عليه، وربما صادفت فترة انحدار فن التوشيح أن الأدب العربي عامة كان قد بدأ يتخذ ريق الانحطاط.

ولعل ما يزيد في الدلالة على قيمة هذا الفن وأثره في أدبنا العربي تلك المحاولات التي قام بها لإحيائه بعض الشعراء المعاصرين في البلاد العربية والمهاجر الأمريكية الذين يسعون إلى التجديد والتحرر من قيود القصيدة التقليدية، فقد وجدوا أنه يساير أذواقهم العربية وميولهم في التطوير والتجديد.

الموشحات وأثرها في الأدب الأوربي:

ولا نريد أن نختم هذا البحث دون أن نشير إلى تأثير فن الموشحات في الأدب الاسباني وغيره من الآداب الأوربية التي اتصلت به منذ أواخر العصر الوسيط.

ففي فرنسا كان التروبدور les troubadours وهم شعراء بروفنس (7) Provence المتجولون يرحلون من منطقة إلى أخرى في فرنسا وأوربا عامة، يتنقلون من قصر إلى آخر ويمدحون الملوك والأمراء في أشعار خالية من الوزن والقافية، ليس فيها ما يبعث الموسيقى غير اتخاذ الحروف الصوتية Assounance ولكنهم لم يلبثوا بعد انتشار الموشحات أن أسرعوا إلى تقليدها، فأصبحت أشعارهم أكثر إيقاعا وأعذب لحنا.

6 ـ نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي ص 246.

7 ـ في جنوب فرنسا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٨٢