غزر شوقي لهم ووفى وزيد
في ضماني أش ما تقول صدقوك
أنا لس يتهموني في حبهم
ولا ات في الرسالة يتهموك
ولا يرموني في الهوى بالملل
ولا أت يصنا بالكذب يرموك
أي ومان بعد قل هو قد كان يجي
إنما هو في قرطبة مملوك
لأبو يحيى سيد الأمرا
وفريد الزمان وزير الملوك (4)
وواضح في هذه القطعة أن صاحبها نسج على منوال القصيدة العربية في التزامه الوزن والقافية لا يميزها غير ألفاظها العامية الملحونة.
وإذا تركنا ابن قزمان ومدغليس وجدنا أسماء عدد كبير من الزجالين والزجالات نكر منهم ابن الزاهد الاشبيلي، وأم الكرام بنت المعتصم بن صمادح، ونزهون بنت القلاعي الغرناطية، وعلي بن جحدر، وابن حبيب الجزري، لم يحفظ لنا من إنتاجهم غير نصوص قليلة متفرقة في بطون الكتب تحتاج قراءتها وفهمها إلى معرفة اللهجة التي نظمت بها وما كانت تمتاز به من صفات صوتية وخصائص في النطق.
وانتشر الزجل في مختلف البلاد العربية التي أخذت تنظم بلهجاتها إلى أن أصبح اليوم يطلق على ألوان من النظم العامي لا حصر لها، لا تحدها موضوعات الغناء والمدح التي ازدهرت في الأندلس وإنما تتسع لكل فنون القول من سياسة واجتماع وقصة وتمثيلية.
قيمة الموشحات وأثرها في الأدب العربي:
يبدو واضحا مما سبق أن الموشحات بتغييرها في الوزن وتنويعها في القافية تحررت من المنهج التقليدي الذي سارت عليه القصيدة العربية في شكلها، دون أن تحاول التحرر من الموضوع الذي لم تكن ظروف نشأتها ولا ظروف ازدهارها تسمح بالخروج عليه، وربما كان التزام الوشاحين للموضوعات السائدة في الشعر العربي وخاصة الغناء والمدح سببا في إقبال الملوك والأمراء عليها، وقد سبق أن قلنا أنه لولا هذا الإقبال لما تسنى لهذا الفن الجديد أن يقف على قدميه. وكأن أصحابه كانوا يهدفون من وراء طرق الموضوعات التقليدية إلى إظهار قدرته ومرونته، ولعلهم حاولوا تجاوزها إلى موضوعات أساسها الحوار، كان يمكن أن تكون بداية للشعر التمثيلي والقصصي في الأدب العربي ولكنه ليس لدينا نصوص على ذلك، وقد يكون قرن من الزمن وهو مدة الحكم المرابطي الذي ازدهر في ظله فن الموشحات، غير كاف بأن يطورها ولم تكن قد استقرت بعد.
وربما كان في إمكان المشارقة أن يضيفوا شيئا إلى هذا الفن الجديد، ولكنهم جمدوا عند ما قننه ابن سناء الملك لم يحاولوا غير إظهار قدرتهم على النظم بتنميق وتحسين الأسلوب منصرفين عن أي ابتكار وتجديد، فجاءت موشحاتهم متكلفة خالية من أي روح إبداعي، وربما كذلك كان كتاب ابن سناء الملك سببا في هذا الجمود الذي وقف عنده المشارقة، فهو إن عرفهم بموشحات الأندلسيين وبطريقة نظمها محددا لذلك تحديدات دقيقة، فقد حصر أفقهم ومنعه عن أي انطلاق.
ومهما يكن فقد استطاع الأندلسيون أن يحدثوا فنا جديدا يضاف إلى فنون الشعر العربي، وأن يظهروا فيه شخصيتهم متميزة عن غيرها، وقد غالى بعض الباحثين فأنكروا ما في التوشيح من جديد، وبالغوا في القول بضعف الشخصية الأندلسية فيه، والدكتور شوقي ضيف، وقد سبق أن أوردنا قوله في نشأة الموشحات، من الذين يمثلون ها الرأي، فهو يقول أو الحق أن الموشحات وما تفرع عنها من أزجال لم تحدث ثورة واسعة على الأوضاع القديمة في الصياغة الفنية للشعر الفصيح وخاصة في صياغة التفكير (5).
أما عن صياغة الشكل ففي فصول هذا البحث ما يدل في وضوح وكفاء، على أن التوشيح ليس فنا مشرقيا طوره الأندلسيون، وأن ظهوره كان ثورة على قيود الشرق العربي لا يصورها غير قول المرحوم كامل كيلاني، بأنها حطمت (أكبر قيد رزئ به الشعر العربي وهو التقيد بأوزان وقواف خاصة لا يتخطاها أحد ولا يجسر إنسان على الانتقاص عليها، بل ولا يؤذن
4 ـ الزجل في الأندلس ص 109.
5 ـ الفن ومذاهبه في الشعر العربي ص 357.