تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا فإننا نذهب إلى أن الزجل تفرع من الموشحات وأن ظهورهم كان نتيجة لاستقلالها عن الأصل العامي بل هو رجوع إليه.

أما بعد هذا فالزجل كبير الشبه بالموشح في تنويع الوزن والقافية، وفي اعتنائه بالخرجة التي هي في الزجل أبسط وأقل جزاء، وربما اتخذت مطلعا له أو لزجل آخر غيره.

مثال هذا زجل ابن قزمان الذي يبدأه بقوله:

ماع معشوقا مليح ووفى

جيد يكون إن لم تجيه طزع

حتى قال إذا بلغ الغصن الأخير قال:

معي زجيل معلم الطرفين

كالدنار الشقر من جهتين

والخرج دو متن عملين

ماع معشوقا ...

وواضح بعد هذا أن الفارق الأكبر بين الفنين هو اللغة التي تستعمل في كل منهما، فالموشح يلتزم اللغة العربية الفصيحة، في حين أن الزجال ينظم باللغة العامية التي يتحدث بها الناس في الشوارع والأسواق.

ولا ينبغي أن يبالغ في الظن بأن جمهور هذا الفن، كان محصورا في طبقات العامة من الناس، فقد كان إلى جانب حياته في بيئة يعيش في بيئات خاصة وعند طبقات بعيدة عن الوقية والعوام كبقة الصوفية الذين كانوا ينشدون الأزجال في حلقاتهم يرقصون على ألحانها، وطبقة شباب المدن الأرستقراطي العاطل الذي لم يكن يشغل باله بغير ما ينس لهوه ولته وما يكون في مجالسهما من شراب ورقص وغناء، وقد وجد الزجل في كل هذا بيئة صالحة اكتسب منها كثيرا من خصائصه ومميزاته لا بالنسبة لروحه الخفيف فحسب، وإنما كذلك بالنسبة لموضوعاته وخاصة المدح حيث نراه يمتزج بغزل مكشوف لا يتحرج فيه المادح من رسم كثير من الصور المادية للممدوح.

ويعتبر أبو بكر بن قزمان القرطبي أول زجال يتقن فنه وينظم فيه ديوانا كاملا، يقول في زجل له معبرا عن فلسفته في الحياة:

دنيا هي كما تراها فاجتهد واربح زمانك

كل يوم وكل ليلة لا تخلى مهرجانك

واشتقي عليه من قبل أن يجيء الموت في شأنك

لس ذي عندك مصيبة أن تموت والدنيا حي

ساع دون شريب عندي لا شكل ولا ملامة

لس نعد اللذ لذة ولا يد الراح راحة

حتى تدخل شفة الكأس بالشراب بين شفتيا

ولعل أهم زجال بعد ابن قزمان هو أبو عبد الله أحمد بن الحاج المعروف بمدغليس، فقد كانت له عناية خاصة بتنقيح أسلوب أزجاله التي حاول أن يصلها بالقصيدة العربية رغبة في الوصول إلى بلاط الخليفة، إذ أن الموحدين على عكس المرابطين الذين عاصرهم ابن قزمان، كانوا متشبثين بتقاليد الشرق العربي يحاولون التشبه بالخلفاء العباسيين، فلا غرابة أن نرى الزجال في هذا العصر يقتني الأساليب البلاغية ومعاني القصيدة العربية يدخلها في أزجاله مبتعدا عن البيئة الشعبية والبيئات الخاصة التي ازدهر فيها الزجل في عهد المرابطين الذي يعد بحق أزهى عصور الزجل.

وهذه مقدمة غزلية لزجل مدح به أحد الوزراء جعلها حوارا بينه وبين النسيم يقول فيها:

لقد أقبلت يا نسيم السحر

بروائح قد بورت للمسوك

توقد أنفاسك الكية شمع

في قلوبنا متى ما نستنشقوك

إنما حقا لش وصلت ضعيف؟

قال لي دراما دار لك إذ ودعوك

لما جالي الفراق وودعتهم

لبسوني النحول كالبسوك

ذكر الله من قد ذكرت بخير

كذا يصنا سمعتهم يذكروك

قلت من حق يذكروني الملاح

قل لي كيف لا نعم وينتظروك

قلت ان كان نرجع لهم عن قريب

قل لهم عني يصنا أن يسألوك

(*) الزجل في الأندلس ص40

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٨٠