تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يسعه إلا أن يستنجد بملك البرين يوسف بن يعقوب المريني ملك المغرب إ ذاك لينشر الأمن، ويرفع الظلم، ويرفع إليه قصيدة ميمية طويلة يضمنها شكواه مما شاهده من تعسف وانتهاك للحرمات وتطاول الأقوياء على الضعفاء.

في تلمسان: " ثم وصلنا مدينة تلمسان فوجدناها بلدا حلت به زمانة الزمان، وأحلت به حوادث الحدثان فلم تبق به علالة، ولا تبض في أرجائه للظمآن بلالة"

ويستمر صاحبنا في هذه السجعات الخاقانية فيصف البلاد عمرانيا وعلميا وصفا لا يخلو من نقد جارح وأسف شديد على انحطاط المستوى العلمي بين طبقة القضاة والمدرسين هناك، ولا يرى من أهل العلم بها إلا الشاعر ابن خميس فيركن إليه ويذاكره في اللغة والأدب والعروض ويسجل بعض شعره في الرحلة مع التعليق عليه.

ويغادر تلمسان بعد أن مكث بها طويلا إلى مليانة ثم الجزائر ثم بجاية التي قول عنها (بقية قواعد الاسلام ومحل جلة من العلماء الأعلام)، والحقيقة أن بجاية كانت مدينة لامعة الشهرة في الشمال الإفريقي وكانت مأوى كثير من عباقرة العلم والأدب، وكتب المعاجم طافحة بأعلامها .. وكتاب الغبريني ـ عنوان الدراية ـ شهير مطبوع .. وكانت تابعة لتونس أيام وحدة الدولة الحفصية ثم انفصلت عنها أيام انقسام الدولة ..

ويغتنم العبدري أيام مقامه القصير في بجاية فيأخذ عن شيخها محمد بن صالح الكناني الشاطبي (5) .. ثم يتابع السير إلى قسنطينة فيصف معالمها وآثارها العمرانية وباكر شيخها ابن باديس ويسأله عن قصيدة ابن الفكون اليائية وصاحبها .. ثم يأخذ طريقه إلى عنابة ثم باجة .. وهو لا يفتأ باحثا عن الشيوخ والرواة ليروي حديثا .. أو يستفيد خبرا .. أو يسمع أثرا.

في تونس: " ثم وصلنا إلى مدينة تونس مطمع الآمال ومصب كل برق ومحط الرجال من الغرب والشرق، وملتقى الركاب والفلك، والعبدري معجب بتونس وبجمالها الطبيعي وازدهارها العمراني وتقدمها العلمي .. وكثرة شيوخها وأعلامها، فشمر عن ساعده لاقتناص الشوارد واغتنام الفوائد، ولم يترك شيخا إلا أخذ عنه واستجازه لنفسه ولابنه محمد، ويطول بنا الحديث لو سطرنا قائمة هؤلاء الشيوخ الذين أخذ عنهم العبدري في هابه إلى الديار المقدسة تم في اوبته منها، وكأنه لم يرو ظمأه في المرة الأولى، فأردفها بثانية .. والحق أن تونس كانت إذ ذاك عاصمة الحفصيين، وقد ورثوا مجد الموحدين ولجأ إليهم كثير من أعلام الأندلس وازدهرت الحركة العلمية بسببهم ازدهارا نلمس أثره واضحا في مؤلفات ذلك العصر، وكانت عناية العبدري متجهة إلى مزيد من رواية الحديث والشعر واللغة والفقه والنحو فوجد ضالته هناك.

ومن تونس توجه إلى القيروان وهناك رأى مدينة الدهر بجمالها، وخلف مزيدا من ذكرياتها وآثارها فاتصل بالشيخ عبد الرحمان الدباغ صاحب معالم الإيمان، كما قدمنا في القسم الأول من هذا البحث ومن القيروان، بعث بقصيدة إلى ابنه محمد ينصحه فيها ويتشوق إليه، وتظهر في القصيدة روح العبدري المتصوفة المتزهدة المتبرمة بالحياة والأحياء.

ويودع القيروان ويودع معها لهجته المعتدلة المتزنة، ويصل قابس ـ ذات اخبر الخبيث والمحيا العابس ـ ومنها إلى طرابلس ومسراته وبرقة وقد أطنب في وصف أعرابها وعوائدهم ولغتهم وقاسى الأمرين في اجتياز تلك الصحراء الشاسعة إلى مدينة الإسكندرية.

في الإسكندرية: "مدينة الحصانة والوثاقة، وبد الإشراق اللامع والطلاقة، وطلاوة المنظر وحلاوة المذاقة كل عنها ظفر الزمان ونابه، ومل منها جيش الحدثان وأحزابه".

وكان وصف العبدري للإسكندرية رائعا جامعا، فم يترك شاذة ولا فاذة إلا سجلها وأبدى رأيه فيها بصراحته المعهودة التي تبغ أحيانا حد الانتقادات المرة والسب الصريح الذي تشمئز منه النفس. ولكن العبدري هكذا خلق .. ولا تبدي لخلق الله.

والشيء الذي أثار حفيظته في الإسكندرية هو نظام الجمارك في تفتيش الصادر والوارد

5 ـ انظر ترجمته في عنوان الدراية ص48.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٧٦