واستخلاص الواجبات الجمركية، فقد انفجر هناك البركان ورفع عقيرته بالنهي عن هذا المنكر .. كما انفجر سفه من الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي رفع قصيدة في الموضوع لسلطان صلاح الدين الأيوبي ..
بعد هذا الانفجار أخذ في ابحث عن الأشياخ والأخذ عنهم فاتصل بالشيخ أبي الحسن بن المنير وغيره، من أشياخ الإسكندرية وملأوا صابه من الروايات والأسانيد والأخبار والأشعار وسطر جميع ذك بقلمه في الرحلة ..
في القاهرة: للقاهرة وسكانها صورة قاتمة في ذهن العبدري وقلمه لا نناقشها، لأنها أقرب من المسائل الشعورية التي لا تخضع للمنطق .. ولأنها ثانيا سجلت بأسلوب صبياني سخيف ..
ورغم ذلك فقد أقبل العبدري على أشياخها ليستفيد منهم، ولكنه نعى عليهم اشتغالهم بعلم المنطق فقال أولاك "ومن الأمر المنكر عليهم، والنكر المألوف لديهم تدارسهم لعلم الفضول وتشاغلهم بالمعقول عن المنقول".
ومكث العبدري في القاهرة في بيت من بيوت مدارس الطلبة كأنه طالب من الطلاب .. لا عالم من العلماء يستحق الإكرام وحسن الضيافة .. ومزيد الاهتمام .. ولعل في ذلك ما يفسر لنا بعض أسباب ثورته النفسية بالقاهرة ..
وأخذ عن أبن دقيق العبد المحدث الشهيد صاحب المدرسة الكاملية .. كما أخذ عن الدمياطي ولقي منهما برا وعطفا واهتماما .. كما أخذ عن غيرهما من أعلام ذلك العصر وحشر مروياته في الحديث والفقه والشعر واللغة كلها في الرحلة ..
ثم وصف مصر وصفا جغرافيا وعمرانيا وتاريخيا يدل على اطلاع واسع ودقة في الملاحظة .. وأثنى مرارا على السلاطين الأيوبيين الذين يسميهم، الأتراك.
ويخرج في شوال من سنة 689 من القاهرة صحبة الركب المصري ويقطع صحراء سيناء إلى العقبة، وهناك يسطر معلوماته الجغرافية فينقل عن الجغرافي الأندلسي أبي عبيد البكري بعض المعلومات وينتقدها، وقد قدمنا نموذجا لذلك في القسم الأول.
ومن العقبة يتابع طريقه صحبة الركب فيصف الطريق وصفا جامعا مفيدا يتعرض فيه لضبط الأعلام وتقدير المسافات ووصف البيئة وغيرها .. ويدخل مكة يوم التروية وهناك يطلق لعاطفته الدينية العنان فيسطر قلمه ما شاء من ابتهاج وسرور بالوصول إلى هذا البلد الأمين مهبط الوحي .. وكعبة الدين .. وقبلة المسلمين ويصف المعالم والمآثر والأضرحة والمناسك .. ولا يفوته انتقاد بعض أعمال الجاهلين بإقامة المناسك .. ويتأسف لكثير من مظاهر الفوضى عند زمزم .. والمقام .. والحجر الأسود .. وكان عازما على "المجاورة" بمكة والإقامة بها فاكترى دارا للسكنى وصرف بعض ما كان معه من الأسباب ليتفرغ للعبادة .. ولكن حال دون ذلك نزاع شب بين الركب وأمير مكة، أدى إلى اصطدام وقتال وفوضى .. فخرج العبدري مع الركب يذرف دموع الحسرة وأملى علينا فصلا فقهيا طويل الذيل في الحج والمناسك يدلنا على باعه الطويل في هذا الفن.
ويعرج على المدينة المنورة فيزور قبر المصطفى عليه السلام، ولا يقيم الركب فيها إلا يوما وبعض يوم ولكن رغم ذلك فقد رأى العبدري كثيرا من المعالم والبقاع، ووصف المسجد والروضة الشريفين وتأسف على خلو مدينة الرسول من العلم والعلماء .. وأنشد قصيدة دالية بمدح فيها سيد الكائنات.
وكان رجوعه إلى مصر عن طريق فلسطين فزار حرم الخليل وبيت المقدس مقابر الأنبياء وسطر كل ما يعلمه من تاريخ هذه البلاد .. وما شاهد من آثار الحروب الصليبية هناك، وقد كان وصفه لمشاهدته طريقا مفيدا مركزا حول أهم الأخبار والآثار .. وبالمقارنة التاريخية يظهر أنه استفاد كثيرا من رحلات من قبله ولا سيما ابن جبير .. وبعد زيارة قصيرة لعسقلان وغزة وذكره للعلاج في بيت من بيوت المدرسة الظاهرية عند شيخه شرف الدين الدمياطي.
ومنها يقصد الإسكندرية فيمكث بها سبعة أيام عند شيخه ابن المنير، ومنها يقطع تلك المفازة التي عرفها في صحراء برقة وطرابلس، ولكنه هذه المرة لا يسخط ولا يغضب لأن ثورته النفسية قد انطفأت جمرتها وسكنت حدتها ..