تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص41

رحلة العبدري الحاحي

للأستاذ عبد الله زمامة

ـ 2 ـ

(1) تعرف الرحلة العبدرية باسم الرحلة المغربية، ولكن هذا الاسم لا يطابق المسمى، فليس فيها من أخبار المغرب، وما كانت عليه حواضره وبواديه، إلا النزر اليسير، نجده في صدرها عندما حدثنا في ذهابه عن بلاد سوس وما حل بها من خطوب مجتاحة .. وبلاد ـ القبلة ـ ويعني بها ما كان شرق سوس، من الجنوب المغربي، في درعة وتافيلالت .. فيقول عنها: "وهي بلاد مات فيها العلم"، ويصف حصونها وأنهارها وعوائد أهلها في الحرب والسلم، ويثني على أخلاقهم .. كما نجده في خاتمتها وقد وصل إلى تلمسان، فاختار الرجوع إلى حاحة عن طريق وجدة وتازة وفاس ومكناسة وآزمور وآسفي .. وكان المنتظر أن يجرد قلمه لوصف هذه الحواضر ولكنه آثر السكوت ومر عليها مر الكرام كما يقولون .. ولم يفته أن يصف خراب وجدة وأطلالها .. كما لم يفته أن ينشد هذه الأبيات وقد أدركه عيد الفطر بمدينة فاس:

قالوا نعيد في فاس فطب فرحا

فقلت ما لي بها دار ولا عطن

فاس ومكناسة وطنجة وسلا

عندي كزديك (2) لا أهل ولا وطن

بغداد قفر إذا لم تحولي سكنا

والقفر بغداد إن أهلي بها قطن

ثم يمر على مكناسة ويأخذ عن بعض شيوخها ..

وإذا تذكرنا أن العبدري خرج من بلاده في ذي القعدة من سنة 688 أي بعد قيام المرينيين بنحو العشرين سنة .. وإذا تكرنا تلك الأهوال والفواجع التي حلت بالبلاد المغربية وهي تعاني حروبها الداخلية والخارجية .. وإذا تذكرنا الصراع بين الموحدين والمرينيين من جهة .. والصراع بين المرينيين وبني عبد الواد وبني الأحمر من جهة أخرى .. وإذا تذكرنا انهيار الإمبراطورية الموحدية وقيام دويلة بني الأحمر في غرناطة .. وبني عبد الواد في تلمسان .. وبني مرين في فاس .. وبني حفص في تونس وبجاية ـ علمنا أي ظروف كانت تحيط بالمغرب وأي عصر كان يعيش فيه صاحب الرحلة.

فالتشاؤم والانقباض وسوء الظن بالحياة والأحياء كانت مسيطرة على صاحبنا إلى أبعد حد حيث يقول: " وقد تعطل في هذا العصر موسم الأفاضل وتبدد في كل قطر نظام الفضائل .. وقد صار الملك الذي هو نظام الأمور وصلاح الخاصة والجمهور في أكثر الأرض منقوص الدعائم، مهدم القوائم، يدعيه كل غوي كالملكيشي (3) وعبد القوي (4) .. أو ليس من الأمر الخارج عن كل قياس أن المسافر عندما يخرج عن أقطار مدينة فاس، لا يزال إلى الإسكندرية في خوض ظلماء وخبط عشواء، لا يأمن على ماله وعلى نفسه، ولا يؤمل راحة في غده، إذا لم يرها في يومه وأمسه".

1 ـ راجع البحث الأول في العدد الثاني من دعوة الحق لهه السنة

2 ـ هدمها يعقوب بن عبد الحق المريني سنة 670 هـ

3 - 4ـ كلاهما من رجال القبائل المتمردة أيام حروب المرينيين مع بني عبد الواد.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٧٥