عوامل التدمير الذاتي التلقائي التي باتت تزلزل ضمير الإنسان وجدانه في كل مكان، فليس من الحتمي مطلقا أن ينهزم الفكر الإنساني الواعي أمام عوامل الصناعة الضخمة التي انطلقت من عقالها عن طريق هذا الفكر ذاته، وليس من اللازم أيضا أن تتضاءل العقلية الإنسانية المفكرة وتتصاغر تجاه الحقائق المادية الرهيبة التي يزخر بها عالم اليوم، والتي ينبثق بعضها عن اجتهاد هذه العقلية واتساع آفاق نشاطها.
على أنه لكي يمكن بالفعل تلافي هذا الانهزام والتصاغر فلا بد ـ من ازدياد الشعور بالمسؤولية التاريخية عند هؤلاء المتصدرين لشؤون الفكر والإبداع الفكري في مختلف أنحاء العالم، ولا بد أيضا من اقتناعهم جميعا بضرورة الحفاظ على قدر من الالتزام الإنساني في صور إنتاجهم، ومظاهر تفكيرهم وشعورهم لأنه ـ وإن كان من الواجب أن يتقيدوا ـ في حدود معينة ـ بما يتفق وحاجيات البلاد التي ينتسبون إليها، والشعوب التي لتحمون بها فإنه يبدو معقولا كذلك أن يتقيدوا ـ من جانب آخر ببعض المعطيات التي تنصب ـ في جوهرها ـ على خدمة أهداف الفكر ذاته، خدمة أهداف الإنسان، والالتزام للإنسان كإنسان يهفو للخبز ولكن مع توافر الحب، ويصبو للعزة على أن تسودها روح الاستقرار والطمأنينة، ويطمح للعدالة ولكن في ظلال السلام.
ذلك هو الالتزام الفكري الحق: تفتح على ما في المثاليات الأخلاقية من سمو ونبالة، وتقيد الواقع الإنساني المائل، وبكل ما يعبر عنه هذا الواقع من حقائق أساسية، وما يعكسه من ظواهر وصور مختلفة، وفي ذلك جماع المقاصد الرفيعة التي يجب أن تعطي للالتزام الفكري العقائدي مدلوله المبدئي المقبول.