لمدلول التبعية البليدة، والناجم أحيانا عن حالات وضعية من الارتشاء في شكل مادي أو معنوي وعلى أساس هذا الاختيار يتوقف الحكم على ما قد يكون هناك من حالات التزام فكري عديدة تختلف صورها ونتائجها باختلاف الظروف والملابسات التي تتصل بها والنتائج المستهدفة منها بوجه أو بآخر.
إن من المعقول جدا أن يلتزم الفكر الأدبي أو الفلسفي ـ في كثبر من الحالات ـ بالدفاع عن نهج معين من السلوك في مجال السياسة والاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك، ويتقيد به إلى أقصى حدود التقيد، بل ويتجرد في سبيل ذلك عن ضروريات حريته وانطلاقه وتلقائيته، وان من المقبول كذلك أن يتقيد الشعور الفني الجمالي في ميادين الموسيقى والنحت والرسم بمثل هذه الأنواع من القيود والالتزامات، ويخضع لمقتضياتها وموجباتها بوجه أو بآخر، ان التقيد والالتزام الفني والأدبي قد يكون إذن ـ وفي كثير من الحالات ـ معقولا وضروريا إلى حد بعيد، إلا أن التجربة الفكرية أو الشعورية التي تتطور في حدود هذا الالتزام المتقيد، يجب أن تكون منبثقة عن وعي إنساني حقيقي، ومتحررة قيود المصانعة والارتشاء، وعلاوة على التصاقها بالمعطيات المثالية النبيلة، فإنها يجب أن تكون متأثرة دائما بواقع الإنسان كإنسان يحس ويتألم، يسعد ويكره، وينفعل لما في الحياة ويتفاعل مع حقائقها وظواهرها.
إن الواقع الإنساني سيبقى باستمرار أساس الحكم عل قيمة التجربة الفكرية والفنية الملتزمة، ومن الضروري أن يكون علاج هذا الواقع وإصلاحه م بين المحاور الرئيسية التي يجب أن تدور حولها مثل هذه التجربة، وذلك على أساس أن يكون هذا الإصلاح أكثر انطباقا على صالح الفرد والمجموع، وأقل تعرضا لأسباب التناقض والاصطدام المعقولة، والمصالح الجماعية المقدسة.
والواقع أن الحرص على التخفيف من هذه التناقضات الاجتماعية والاجتهاد في ذلك قد يؤدي أحيانا ـ كما تم في بعض البلاد الطامحة لسرعة التطور ـ إلى اتباع بعض المناهج والسبل المتشددة، كما يقتضي اتخاذ عدد غير محدود من المواقف، قد تبدو قاسية غير إنسانية من حيث الظاهر، ولكنها ذات مضمون إصلاحي حقيقي لا تظهر نتائجه إلا في الأمد البعيد، وفي أحوال من هذا النوع يكون من المقبول أن يساير الأدب الملتزم بعض أساليب التشدد والقسوة، ويتقيد أحيانا بتبريرها وإبراز مشروعيتها إلى مدى بعيد، وذلك وإن كان يشكل مظهرا ما من مظاهر التحدي لبعض الاعتبارات الإنسانية الفردية إلا أنه ـ وهذا هو الأهم ـ يلتقي في صعيد واحد مع كثير من المعطيات المبدئية الأخلاقية التي تقر مصلحة الجماعة إذا كانت تتناقض ومصالح الأفراد ـ ولو أنه من الضروري بذل العناية بالتخفيف من هذا التناقض ـ كما قدمنا ـ طالما كان ذلك ممكنا وميسورا، أما إذا كان الأمر يتصل بمواقف لا يستطاع تصور أي مفهوم إنساني لها، سواء أكان قائما على اعتبار واقعي أو كان مرتكزا على مبدأ أخلاقي مثالي، وذلك كمشاهد التقتيل الجماعي بالجزائر أو الاجتراء على تفجير أجهزة حرارية نووية من صنف الخمين ميكاتون في غير ما مقصد سلمي أو شبه سلمي، والتطويح بقيم مالية ضخمة في ميادين سلبية غير إنسانية كالاستعداد لحرب عالمية محتملة، والتهيؤ لصراع ذري وهيدروجيني متوقع، إذا كان الأمر يتصل بمواقف وحالات كهذه، فإن التزام الفكر بها يفقد حينذاك مدلوله المبدئي، وصفته المبررة، ويصبح مجرد ظاهرة ناشرة تتراءى من خلالها صور من التبعية الرخيصة، والذنبية المرتشية والتهافت الذبابي الوضيع، وحينذاك يغدو من العسير جدا أن يحافظ الفكر الأدبي والفلسفي على قداسة رسالته التوجيهية، ونجاعة مهمته القيادية الطلائعية، وليس من الممكن ـ في أحوال مثل هذه ـ أن نجد للكلمة أو اللحن أو الرسم، كل ذلك المظهر الناصع الذي تكتسيه حينما تكون مجرد انعكاس لما ينفعل به الضمير الواعي، وليس من الجائز في هذه الأحوال أيضا أن نلمح في الفكر أو الشعور تلك الصورة البهيجة المشرقة التي يتجلى فيها عندما يغدو مجرد سبيل للانطلاق نحو الحق، ومجال استكشاف لمواطن الخير ونقطة ارتياد لآفاق البهجة والجمال.
إن هناك مجالا واسعا لتبادل الأصداء الفكرية والشعورية بين الكتاب والفنانين الإنسانيين في مختلف أنحاء العالم، وليس يعنينا من أمر الأوضاع الفكرية في العالم الاشتراكي والرأسمالي أو غيره، إلا بقدر ما يساهم به ذلك في توفير أسباب التجاوب والتصادي بين هؤلاء الكتاب والفنانين وتواطؤهم على استبعاد