تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1) التحكم تحكما مباشرا في نفسية رجل الفكر، والتأثير على منابع وعيه وإدراكه وذلك هن طريق العمل على إحاطة حياته بأجواء نفسانية ذات مفعول سلبي عميق المدى.

2) مصادرة ضمير المفكر، والاستيلاء على مواطن إحساسه بالمثل والقيم وغيرها، وتحويل هذا الإحساس نحو سبيل التكيف مع اتجاهات الواقع القائم، ولو كان ذلك عل نقيض هذه المثل والقيم، وكل هذا عن طريق اللجوء إلى وسائل الإغراء الرخيص، والاسترضاء المبتذل، المستند أحيانا إلى دغدغة الغرائز وإشباع النزوات.

3) اضطرار الفكر ـ بحكم بعض الضرورات القومية والإنسانية الملحة ـ إلى النزوع للتلاؤم مع كثر من الحالات الواقعية التي ربما يكون بعضها على درجة من المناقضة للمبادئ ذاتها التي يجب أن يقوم عليها وجود هذا الفكر.

وهذه الحالة الأخيرة هي أكثر حالات التبعية الفكرية وأعظمها اعتبارا، ذلك أن مظاهر السيطرة على الفكر عن طريق التأثير السلبي (كالترهيب) أو الإيجابي (كالإغراء) لا يجب أن تلفت الانتباه كثيرا، لأن مثل هذه المظاهر تعتبر ـ بالفعل شيئا عاديا بسيطا يصعب الحكم عليه في الغالب، وكثيرا ما ينتهي إلى ثورة الفكر ضده حالما يتم ارتفاع الظروف المجبرة القاهرة والوسائل المغرية الجاذبة، إنما الذي يستلفت النظر أكثر من ذلك هو الحالة المتمثلة في وقوع الفكر بصورة أو بأخرى تحت تأثير بعض الضرورات القومية والإنسانية الخاصة، واضطراره إلى مسايرة كثير من المقتضيات الناشئة عن هذه الضرورات، مع ما قد يكون في هذه المسايرة من محاذير عقائدية ومبدئية ربما تكون عظيمة الأهمية والخطر أحيانا.

وهذا ما يمكن أن ندعوه في بعض الحالات بالالتزام الفكري أو المذهبي الذي يتمثل ـ كما تمكن ملاحظته ـ في هذا النوع من الترابط الجزئي أو المطلق بين الفكر وواقع الحياة السياسية أو الاجتماعية التي تسود بلدا ما، وتتحكم في توجيه إمكانياته ومقدراته، وهذا الترابط الذي يتسم أحيانا عن طريق القسر، ويحصل أحيانا أخرى عن طريق الاقتناع، هذا الترابط يستقطب ـ كما رأينا ـ كثيرا من الصور التي تتراءى من خلالها بعض مشاكل الفكر المتحرر في عالمنا الحديث، وخاصة بالنسبة لبعض البلاد التي تجتاز الحياة العامة فيها مراحل محرجة واستثنائية.

والالتزام الفكري كالتخطيط الاقتصادي قد يكون مبدئيا ـ وفي كثير من الحالات ـ ضرورة أكيدة من بين الضرورات التي تستوجبها مراحل التطور الجذري الحاسم في مختلف البيئات والمجتمعات النامية، إلا أن التركيز على هذا الالتزام واعتبار المقدرات الفكرية والأدبية ـ على أساسه ـ كمجرد قيم عادية تندمج في مجموع قطاعات التخطيط العام بمختلف فروعه وامتداداته ـ إن ذلك ـ وإن كان له محاسنه وموجباته في بعض الحالات، غير أنه يؤدي حتميا ـ في حالات أخرى ـ إلى مجرد تعرية التجارب الفكرية والاختلاجات الوجدانية من مضامينها العبقرية الخلاقة، وإحالتها فقط إلى مطلق إيحاءات وإيعازات موجهة وعاطلة ـ في جوهرها ـ عن كل مفهوم إنساني جدير بالاعتبار، إن هذه الحالات من الالتزام الفكري المتجمد توجد لها مظاهر مختلفة وصور عديدة في كثير من أنحاء العالم سواء بالنسبة لبعض الدول التي تتبنى قيما عقائدية ذات طابع عالمي أو بالنسبة لبعض الدول الأخرى التي تحتضن مبادئ التفكير القومي المحلي أو التفكير القومي الترابطي أو بالقياس أيضا لبعض الأقطار التي تعتنق ـ واقعيا أو نظريا ـ مبادئ النظام الديمقراطي البرلماني، وسواء في هذه الحالة أو تلك فإن الفكر الملتزم قد يكون موجها أحيانا إلى خدمة بعض العقائد والمبادئ التي تمتزج بجملة من الأهداف الإنسانية النبيلة، ويفضي تطبيقها إلى إقرار أوضاع صحيحة ومشروعة، ولكن هذا الفكر الملتزم أيضا قد يوجد أحيانا أخرى ـ مسوقا بالقوة أو بالفعل ـ إلى مظاهرة مبادئ وعقائد معينة لا تنسجم ـ كما قدمنا ـ في جوهرها ونتائجها مع ما يجب أن يستهدفه الفكر الإنساني ـ في نسقه الأعلى ـ من خدمة مثل الخير والصدق والجمال، وتجسيم هذه القيم الخالدة في أشكال حية وواقعية.

إن قضية الالتزام الفكري الأدبي هي إذن قضية، وإن كانت بسيطة من حيث المبدأ، إلا أنها باعتبار النتائج المنبثقة عنها تبدو على درجة ما من التشابك والتعقيد، ومنشأ التعقيد في هذه القضية يعود ـ في الأساس ـ إلى مشكلة الاختيار بين الالتزام الخير الهادف وبين الالتزام السلبي المتجمد المرادف

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٧٢