هو الذي كان داعيا لاستغراب المراقبين واندهاشهم، وتساؤلات الكثير من الأوساط الأدبية والفكرية سواء داخل البلاد الغربية أو غيرها وخاصة بولندة، وطن الكاتب ومستقره الأصيل.
وعلى الرغم من بروز كتاب سطافار في ظروف مثيرة حقا، انطبعت بها الحياة الفكرية في بولندة خلال الشهور الأخيرة، ويتمثل البعض من هذه الظروف في قضية الكاتب البولندي جيرزي كوناركي Zergi Konarcki الذي دأب أخيرا على تحرير بعض الكتابات الانتقادية المستغربة، وترويجها بصورة رومانتيكية مثيرة، وقضية الأديبة السيدة هيلينا راسزينكا Héléna Rassynka أمينة سر الجمعية الأدبية البولندية "الدائرة الموترة" وقد ارتبط اسم هذه الكاتبة أخيرا بجملة قضايا أدبية ذات طابع سياسي بارز، على الرغم من ظهور كتاب سطافار في مثل هذه الظروف المثيرة فإنه ـ مع ذلك ـ لم يؤد إلى نشوء حالات من رد الفعل الحاد شبيهة بتلك الحالة التي أفضى إليها كتاب باسترناك "الدكتور جيفاكو" ولعل منشأ ذلك أن كتاب سطافار كان يعكس ـ كما قدمنا ـ مجرد حالة عابرة من حالات عدم الالتزام الفكري أكثر مما يدل على حقيقة اتجاه سياسي متناسق العناصر، وواضح الأهداف، هذا بالإضافة إلى أن تأثيراته في العالم لم تكن في أهميتها وسعة مداها من نوع تلك التأثيرات التي أحدثتها رواية الأديب الروسي الكبير، ويجدر بنا ـ بعد كل هذا ـ أن نتساءل: ما ذا يعنينا من كل هذا إذن؟ وما هو المفهوم الحقيقي الذي يجب أن نقيم على أساسه مثل هذه القضايا الفكرية المتمثلة في حالة باسترناك وسطافار وغيرها؟
إننا إذا كنا قد استبعدنا العنصر السياسي من هذه القضايا، لأن مدلولاته لا تعنينا عمليا في شيء ـ فإن ذلك لا يصدنا عن اعتبار الجوانب الأخرى من نفس هذه القضايا .. تلك الجوانب التي تتصل بقضية الفكر على العموم، والتي هي أقرب ما تكون إلى طبيعة الأهداف والمقاصد الحافزة لنا في الحياة نحن أبناء الشعوب المنحازة، إن الفكر يكتسي ـ بالنسبة إلى وجودنا الدولي والعالمي أهمية بالغة وعميقة المدلول لأننا نستند إلى هذا الفكر كأداة ـ .. كأقوى أداة تعتمدها ـ بعد الله ـ في تأكيد وجودنا الحيوي أمام عوامل القوى المادية التي تستأثر بمقاليد كثير من الأمور في عالمنا المعاصر، وبالتالي فإن هذا الفكر يزداد ارتباطا ـ مع مرور الأيام ـ بطبيعة مصايرنا ومستقبلنا وكذلك مستقبل الأوضاع الحياتية التي تكتنف وجودنا من قريب أو بعيد.
ومن هنا كان مصدر هذا الاهتمام الذي يجب أن يحدونا إلى مراقبة وقع الفكر وتطوراته في عالم اليوم، هذا الفكر الذي لا بد أن تتوافر له الشروط الضرورية والكفيلة بتحريره وتوسيع نطاق تأثيره على مجريات الأمور في حياتنا العالمية المعاصرة، ومن البديهي أن هذا التأثير الذي يفترض للفكر على حياة الإنسان المعاصر، لا يمكن أن يكون فعالا وذا جدوى إلا إذا تمكن هذا الفكر والمصادر التي ينبثق عنها من التلاؤم مع مدلول المبادئ التي تحدد رسالته في الحياة. إن القضايا الناشئة عن حالة باسترناك وسطافار ربما لا تكون ـ كما أسلفنا ـ ذات أساس فكري "تمردي" بعيد المدى وعميق الدلالة، إلا أن الذي يجب أن يستأثر بنظرنا ـ في الأساس ـ هو اعتبار مجموع الحالات الفكرية على العموم التي التي قد تكون متقاربة مع حالة الكاتبين الشيوعيين البولندي والسوفياتي، وقد تكون متباعدة عنهما بشكل أو بآخر، هذه الحالات لا بد أن تثير اهتمامنا جميعا ـ وبصورة جدية ـ وذلك لما يتمثل فيها أحيانا من مظاهر الاصطدام بين مثالية الفكر السوي وواقع الحياة المنجرف تارة نحو "اليمين" وطورا نحو "اليسار"، هذا الاصطدام بين مثالية الفكر المجرد وانحراف الواقع القائم يعكس ـ في الواقع ـ مظهرا أساسيا من أشد مظاهر الخطورة التي تكتنف سلامة الفكرة الإنسانية العامة في عالمنا الحاضر. وقد يفضي هذا النوع من التصادم إلى تفوق الواقع السياسي أو الاجتماعي القائم، وبكل ما ينطوي عليه من عناصر الزيغ والإنحراف، وحينذاك ينزع هذا الواقع ـ بالقوة أو بالفعل ـ إلى الاستكمال من مصادر الفكر الإنساني المتحرر، وترويضها على التلاؤم معه، واستدراجها بالتالي إلى مصالحته وممالأته، وتعبيد الطريق أمامه بشكل أو بآخر.
إن السبل التي يتم سلوكها لتحقيق حالات السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على مصادر الفكر والنظر، هذه السبل هي من التعدد والكثرة بدرجة كبيرة وتختلف صفاتها باختلاف الاتجاهات التي يتبناها الواقع المسيطر، ودرجة تلاؤمه فعليا مع مثالية الفكر أو تميزه عنها، ومن بين هذه السبل: