لقد كان لسطافار سجل حافل في مضمار الكفاح الأدبي ـ السياسي من أجل الاشتراكية، وقد عانى طويلا من النظام الستاليني الذي كان يعم بلاده مثل ما كان يعم غيرها من الجمهوريات الشعبية الأوربية، ولكنه استطاع ـ بعد ذلك ـ أن يسترد مكانته الطلائعية المرموقة غداة نجاح الثورة اللاستالينية في وارسو، وانتقال أزمة الحكم إلى الزعيم الشيوعي المعتدل "كومولكا" وشيعته سنة 1956.
وإلى الأيام الأخيرة من حياة سطافار ـ تلك الحياة التي أفضت إلى نهايتها في جو عادي وظروف طبيعية ـ فقد كان هذا الكاتب يعتبر ـ كما كان من قبل ـ كأبرز النقاد الاشتراكيين المعاصرين في بولندة، وأحد الكتاب العقائديين المرموقين، ولا شك أن اتجاهاته الفكرية العامة، وطبيعة المقاصد الإيديولوجية ذات الطابع الاشتراكي التي كانت تنضح بها كتاباته المختلفة، لا شك أن كل ذلك كان من شأنه أن يضمن لإنتاجه كل هذه المنزلة التي ينعم بها في مضمار الأدب الاشتراكي الحديث، ويضفي على آثاره الفكرية بصورة عامة قدرا من الاعتبار بعيد المدى وعميق الحدود. وعلى الرغم من أن نهاية حياة "سطافار" كان نهاية طبيعية عادية، إلا أن المصير الذي آلت إليه أفكاره الأدبية والانتقادية كان مصيرا غريبا حقا ينطوي بالفعل على كثير من العناصر المثيرة للاهتمام، أما صورة الغرابة في هذا المصير فتتمثل فيما خلفه هذا الكاتب الماركسي من آراء ونظريات تدور كلها حول الواقع الاشتراكي الدولي الذي كان يتبناه ويتولى المنافحة عنه، وتتناول هذا الواقع وحتى بعض المبادئ التي يقوم عليها ـ بعبارات النقد والتفنيد، التي يذهب بعضها إلى مدى بعيد جدا، وقد عبر عن هذه الآراء والنظريات التي كانت مفاجأة مذهلة لكثير من المراقبين والملاحظين ـ عبر عنها في كتاب جديد صدر له حديثا في فرنسا، وكان من أبرز الأحداث الفكرية التي شاهدتها أقطار أوربا الشرقية وبولندة بالأخص خلال الشهور الأخيرة.
وضع الكاتب تأليفه بين (وارسو) و (باريس) وفي عاصمة بلاده أتن القسم الأول من الكتاب حيث ضمنه كثيرا من الانتقادات الصارمة (للستاليتية) كسياسة ومنهاج، والحق أن جملة هذه الانتقادات تبدو كظاهرة عادية مألوفة بعد أن أصبح النهج الستاليني موضوع عديد من المؤاخذات الجورية سواء داخل الاتحاد السوفياتي أو في غيره من الأقطار الأوربية التي تسودها أنظمة الجمهوريات الشعبية باستثناء ألبانيا والصين، بل إن مناوأة الستالينية قد غدت بالفعل في مجموع هذه الأقطار قاعدة انطلاق لكثير من المواقف السياسية والعقائدية التي يكتسي بعضها طابعا رسميا ودوليا بارزا، أما القسم الثاني من الكتاب فقد سوده (سطافار) في (باريس) العاصمة التي آثر الحياة فيها فترة من الوقت قبيل نهاية حياته، والنظريات التي يحويها هذا القسم هي ـ بحق ـ مثار المفاجأة في الكتاب بمجموعه، إذ أن هذه النظريات تنطوي ـ كما يبدو ـ على مدلولات عقائدية مختلفة، فيهل من الغرابة ـ كما قدمنا ـ قدر غير قليل، فإلى جانب انتقاد الكاتب لنتائج المؤتمر العشريني الشهير للحزب الشيوعي الروسي، الذي ساعد على تعديل ملامح الوضع السياسي والعقائدي سواء في الاتحاد السوفياتي أو في كثير غيره من أقطار الجمهوريات الاشتراكية الشعبية وخاصة بولندة ـ إلى جانب انتقاد نتائج هذا المؤتمر، فقد انطلق الكاتب الاشتراكي البولوني أيضا إلى تعييب بعض مظاهر الحكم وصور الحياة في أقطار العالم الاشتراكي، بل إنه عدا ذلك إلى حد إبداء آراء تشاؤمية مفرقة، وذلك فيما يتصل بمستقبل الماركسية كفلسفة ومنهاج، ومدى فاعليتها في التأثير على وجدان الإنسان المعاصر، وتوجيه أفكاره وعقائده، وتنظيم سلوكه وتصرفاته في الحياة.
والواقع أن القضايا التي يثيرها (سطافار) في كتابه المثير هذا لا تعنينا كثيرا من حيث المضمون السياسية والمذهبي الذي تعبر عنه، فالاعتبارات السياسية والعقائدية ـ في هذا المضمار ـ هي من التعقد والالتواء بدرجة كبيرة جدا، والنظر في هذا التعقيد ومحاولة معالجته على الصعيد النظري أمر لا يثير عنايتنا كثيرا، لأنه لا يمس أي جانب هام من جوانب اهتماماتنا القومية ـ الإنسانية الملحة، هذا بالإضافة إلى أن الحالة الماثلة في قضية "سطافار" لا تدل ـ بالضرورة على وجود انقلاب جوهري في الخط السياسي الذي كان يتبناه الكاتب البولندي الكبير ويحتضنه بمزيد م الإيمان والحماس، فالآراء (المتمردة) التي عبر عنها في كتابه قد لا تكون ـ في الواقع إلا انعكاسا بسيطا لحالة منعدم الالتزام المذهبي كما هو الأمر بالنسبة لكثير من الحالات من هذا النوع، ولكل ذلك فالذي يبدو واضحا أن هذه الآراء لا تشكل بالفعل موقفا سياسيا معينا بقدر ما تدل على واقع فكري متحول يصعب تحديد أهميته ومدلوله، وهذا الواقع الفكري ذي الصبغة (المباغتة)