التزمه حيال التعقيدات السياسية والدولية التي نجمت عن الأفكار والآراء المنطوية عليها هذه الرواية، كل ذلك يمكن أن يحمل على الزعم بأن المقاصد السياسية البحتة كان لها دور ثانوي في البادرة الفكرية التي أقدم عليها الكاتب الروسي الكبير، بل انه من الجائز أيضا ألا يكون لهذه المقاصد وجود على الإطلاق، لكن ماذا يجوز أن تعني في هذه الحالة رواية ذات مضمون سياسي انتقادي كالدكتور جيفاكو؟ ما هو المفهوم الذي يمكن أن ينتحل في هذه الحالة للرواية التي غدت شهرتها ذات صبغة عالمية بعد أن غدت ـ لفترة ما ـ عنصرا ملحوظا من عناصر الحرب الباردة بين الشرق والغرب؟ إن المضمون الفكري لرواية الدكتور جيفاكو بالرغم من المظاهر، لا يعكس ـ كما يبدو ـ روحا ثورية نضالية حقيقية، ولا يعبر عن إرادة الكفاح السياسي المنظم المستند إلى قوة الإصرار والتصميم والتنسيق، فالواقع أن المفاهيم التي يمكن استخلاصها من ظروف وضع الرواية قد لا توحي بأشياء جوهرية من هذا القبيل، ومع ذلك فإن الدكتور جيفاكو يجب أن تعتبر روايته هادفة تنطوي فعلا على مغاز عميقة لها مدلول واسع بعيد المدى، وهي ـ وإن لم تكن تعكس إرادة الكفاح السياسي المنظم فإنها ـ مع ذلك ـ تدل على اتجاه حتمي نحو الانطلاق العقلي غير المقيد، وتنم في جوهرها عن وجود ميل شديد كان يحتمل في نفسية باسترناك، ويحدوه إلى مقارنة التمسك الشديد بمقتضيات الالتزام الفكري الملتصق بحرفية المذاهب أكثر من ارتباطه ببواعث نموها واستمرارها، هذا النوع من الالتزام الذي يمكن أن يرادف "الدوكماتية" أو المذهبية في بعض الجوانب المعينة، ولا حاجة للتأكيد بأن هذه الدوكماتية قد أصبحت تلقى كل صدود واعراض من كافة الأوساط العقائدية الماركسية، سواء داخل الاتحاد أو خارجه وتوجد في أساس النزاعات الجديدة الناشبة بين الاتحاد السوفياتي ونزعة الور خوجة في ألبانيا، وسواء أكان علينا أن نفسر تفكير باسترناك على أنه تعبير عن الميل إلى مجانبة المذهبية ـ وليس هناك ما يؤكد ذلك تأكيدا مطلقا، فقد تكون هناك عوامل دقيقة أخرى أقل جلاء وبروزا ـ أو كان من اللازم أن يفسر هذا التفكير باعتباره مظهرا لاتجاه انحرافي Déviationniste أو نزعة تراجعية Révisionniste سواء كان علينا أن نراه بهذا المنظار أو ذاك، فإن هذا التفكير ـ مهما كانت الحال ـ نوعا من الاتجاه إلى عدم الالتزام الفكري الناشئ عن خطأ أو استقامة في الرأي وذاك جانب من القضية يعسر على المرء أن يستبين وجه الصواب فيه بكل وضوح، عن طريق الاعتماد على بعض التحليلات المقتضبة، والركون إلى جملة من الاستنتاجات السريعة المبتسرة.
وعلى كل، وبالاغضاء عن قيمة المدلول الحقيقي لتفكي باسترناك وحقيقة المشكلة التي أثارها، وموقفه من الأحداث التي انتهت إليها هذه المشكلة، بغض الطرف عن كل ذلك، فإن هناك ـ على وجه العموم ـ مجالا لملاحظة بعض الظواهر الهامة التي بدأت جوانبها تتضح أكثر فأكثر، وتأخذ سبيلها إلى التبلور داخل المعسكر الاشتراكي، وتتجلى هذه الظاهرة في تطور موقف بعض الأوساط الأدبية والثقافية من قضية الالتزام الفكري المطلق، وجنوح البعض من الكتاب فعلا داخل بلاد اشتراكية معينة إلى التخفيف من شدة الاستمساك بمبدأ هذا الالتزام ومقتضياته.
لقد تتراءى في أفق الأدب الاشتراكي المعاصر إرهاصات نزوع حقيقي نحو احتضان بعض الاتجاهات الليبرالية في التفكير والتحليل والإنتاج، وهذا الاتجاه ـ وان كان يبدو فرديا محدودا ـ فإنه ـ مع ذلك ـ يوذن بانفتاح بعض الإمكانيات التطورية في مناهج وأساليب التفكير الأدبي الاشتراكي قد تبيح له ـ في بعض الحدود المعينة ـ ارتياد ءافاق أكثر رحابة وسعة مما كان عليه الأمر في ظلال العهد الستاليني المدبر، والذي يبدو واضحا أن اللاستالينية Déstalinisation التي تكاد تصبح من بين المميزات الأساسية لأوضاع الحكم والاتجاه في أغلبية أقطار أوربا الشرقية الشيوعية ـ توجد متلائمة ـ إلى حد ما ـ مع ممكنات هذا التحول الاتجاهي على صعيد الأدب والفكر إن لم تكن هي نفسها من بين عوامل هذا التحول وفي أساس التيارات الحتمية الحاسمة التي قد تكون عجلت بحدوثه.
وقد شهدت الأسابيع الأخيرة في الجمهورية الشعبية البولونية مظهرا جديدا ومثيرا من مظاهر الاتجاه "الفردي" نحو التحلل من موجبات الالتزام العقائدي في نطاق الاشتراكية، كان ذلك يوم أن بوغتت الأوساط الأدبية في "وارسو" (10 أكتوبر الماضي) بظهور آخر كتب الناقد الشيوعي البولندي "اندري سطافار" الذي كان قد توفي خلال الربيع الماضي بباريس، والذي احتفت السلطات البولندية بوفاته احتفاء رسميا مهيبا باعتباره أحد الرواد الاشتراكيين البارزين في شرقي أوربا، وأحد رجال الطليعة في عالم النقد الاشتراكي الحديث.