داخل مجموعة من الشروط اللازمة للسلوك، إزاء المواقف الحالية.
ينطبق هذا التعريف على الناحية من الأنا التي لها من بعض الوجوه وحدة واستقرار يشبهان الوحدة والاستقرار اللذين نطلقهما على الموضوعات. ويصبح هذا التعريف غير صالح بمجرد ما يريد أن يدخل فيه ما ليس هنا ـ الآن، ويجاوز "الحاضر"، أي كل ما لا يمكن أن يتصف به "الحضور" حالا أو استقبالا) لأنه دائما يحيا، سابقا على حاضره أي يحيا في المستقبل. فللطالب مثلا، شخصية حالية، هي الشخصية المحددة في ورقة هويته، والتي تملأ حقل وعيه في "الآن". بيد أن الطالب يشعر بتوتر داخلي، أي بقوة تدفعه إلى "الشخصية" التي يرمي لأن يصبحها، وهذه الشخصية ـ النزوع ليست حدا نهائيا، فمن الممكن تجاوزها، لأن إمكانيات الطالب لا تعطى برمتها، دفعة واحدة، إنها تبرز حسب تتابع تصاعدي، كسلسلة من الشخصيات يمكن تصورها. من الجائز أن تنضب إمكانيات الطالب، فيبقى دون ما كان يصبو إليه، على أن الشخصية التي يرمي إليها غاية بالنسبة للوضع الحالي، ولو استحال تحقيقها في المستقبل.
إذا صح ما تقدم، جاز أن نقول بأن الشخص ليس بشخصية واحدة، ولكنه عدة شخصيات، فهو في كل فارة من حياتهن ما لم يكن من قبل، وسيصير ما لم يكن أبدا. ذلك أن الإمكانيات تستطيع أن تذهب إلى أبعد مما يتوقع منها، كما أن التشخيص يمكن أن يتخذ سرعة تتعدى نزوع البداية. ولنضرب لذلك مثلا: (باستور) حينما كان طالبا، عوضا من أن ينفلق على ذاته، فينحصر تشخصنه في النزوع إلى شخصية أستاذ، دفعته إمكانياته إلى مرحلة أصبح معها، يشعر أنه ملك لمجموع البشرية، لا لذاته فحسب. ويقال مثل هذا عن أعلام الإنسانية، مثل طاليس وابن سينا .. فقوة التفتح التي أكدت شخصيتهم وفرضتها، جعلتهم ملتزمين بالعمل على تحقيق أهداف تتعدى نطاق أشخاصهم ونزوعاتهم الأولية. فالفعل الذي يؤكد وجود الشخص ويفرضه، هو نفس الفعل الذي يفتح له مجال التعالي. كل نشاط نقوم به، يحدث تغيرا فينا. كانت (ماري كوري)، وهي ما تزال طالبة، تصبو إلى أن تصير أستاذة، ولكن تشخصنها ذهب بها إلى أبعد مما كان يخطر ببالها، فقامت ببحوث خطيرة لتقدم العلم، ولصالح الإنسانية. فاحترقت أصابعها وتعرضت لأخطار أخرى، ولكن ذلك لم يحدث أي فتور في عزيمتها: فالتفاني في خدمة العلم، يحدث حماسا لا يضاهى، ينسى معه العالم ذاته، كالفناء الذي يدعيه الصوفية، فيصبح الباحث أو الفنان في عالم يتعدى حدود الأسرة والوطن وتمتزج نزوعاته في الحياة بأهداف الإنسانية جمعاء: أسرته هي البشرية، ووطنه هو المخبر، لقد جاوز مستوى الشخص، وحقق الإنسان.
في هذه المرحلة ينفصل الأنا عن الأنانية، فيندمج مصيره في مصير النوع البشري مما يكسبه ثروة وحرية لا حد لهما. فالشخص لا يكتمل في الإنسان، إلا بقدر ما يشعر أنه هو مجموع الآخرين، يتكون الشخص ابتداء من شخصيات، وكل شخصية لا تتأكد إلا باستنادها على الإرادة والنشاط: النشاط يظهر الإرادة، والإرادة تخلق في الوعي الإثارات الأولية التي تطبعه بطابع الحيوية، فلقد كان الرواقيون على صواب بحصرهم كل الشخصية في الفعل الإرادي.
فالشخص على هذا، سلسلة من الأفعال الإدارية اختلط بعضها ببعض ورممها مجهود وحد بين مراحل الحياة المتتابعة، كما وحد بين الأهواء العديدة، والإشارات والفعاليات الماضية، وبين ألوانها العاطفية، وتجارب النجاح والفشل، والأهداف المختلفة التي يرمي إليها الأنا. كل هذا يتضامن مع نزوعات حالية، يلتزم فيها "الآن" و "البعد". فالتشخصن إذن، "حاضر" في مجموع الميادين، وليس في أي ميدان.
هكذا، ليست الشخصية إلا فترة من التشخصن، تزمن في الحال، الكائن البشري. وعلى عكس ذلك، ان الشخص، قبل كل شيء، هو كل الشخصية الحالية، بما فيها من ماض ونزوعات للمستقبل: إنه مجموعة شخصيات. لكن كل شخصية حالية شيء مستغرب، أي مشكلة. ذلك أن كل شخصية، من حيث أنها فترة من فترات الشخص، ليست مسلكا تمر به الحركة المشخصنة، وليست بالحد الأخير، إن كل لحظة من حياتنا توازي النزوع الذي نعمل على تحقيقه، أي الطاقة الحيوية لوجودنا.
بيد أن اللحظة، هي أيضا، مشكلة كما تفطنت لذلك