تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفلسفة المدرسية: فاللحظة موجودة، وغير موجودة في آن واحد، فهي من هذه الوجهة، تماثل النقطة في الهندسة، توجد النقطة، ما دمنا نتحدث عنها، وما دمنا نرسمها على الورقة وعلى السبورة، ولا وجود لها، إذ أنها لا تخضع لأي وضع من الأوضاع، اللحظة تنطبق تماما مع الشخصية، نقول "هذه اللحظة" كأننا نتكلم عن موجود، ولكنا لما ننتهي من الكلام عنها حتى تكون قد انعدمت. فالفاصل بين الوجود والعدم، غير ثابت ولا محسوس ولا دقيق. فالماضي ما لم يبق، إنه ما قد كان. لقد اصطدم (برجسون) بمشكل اللحظة، وعبر عنها معتمدا على ما كان له من نظريات حول الماضي. اللحظة في نظره، هي في نفس الوقت، ما يقوم، حاليا بنشاط، وما تجرد نهائيا عن النشاط، إنها تحيا، وعند الآونة التي تحيا فيها، تكون قد جاوزت حياتها وبما أن فلسفة برجسون، فلسفة التطور والحركة، فالديمومة لا تقبل إلا استرسال المطلق. فالكائن ملقى، في تتابع لحظات، يجاوز بعضها البعض دون انقطاع. من هنا انقلبت مشكلة اللحظة إلى مشاكل التتابع، ففي داخل الشخص تمتد الشخصيات وتسترسل ما دام كل شخص يحمل، في صميمه، كل الشخصيات الممكنة، ويحتفظ بمجموع الشخصيات الماضية، فلتفرض أننا نستطيع أن نرجع القهقرى في تاريخ شخص لنكشف عما أنتجته صيرورته من شخصيات، فشخصيته الحالية ستكون الحلقة الأولى في سلسلة مراحل التشخيص، تنقلنا من شخصية لأخرى، حتى نصل إلى نقطة البداية، أي اللحظة التي ليس وراءها شيء، اللحظة التي ظهر فيها الكائن الخام، لقد صدق (وليام جيمس) في قوله، أن الذي يملك الأنا الأخير: يملك كذلك الأنا قبل الأخير، إذ أن الذي يملك المالك يملك المملوك".

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٦٧