دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص31
أبحاث ومقالات: الشخص وشخصياته
بقلم الدكتور محمد عزيز الحبابي
كان سقراط يدعو معاصريه إلى التأمل الصحيح في ذاتهم، لكي يشعروا في أعماقهم، بما هو إنساني نوعي عند كل شخص. ومنذ ذاك، أصبحت ولا زالت مشكلة معرفة الذات المشكلة الرئيسية في الفلسفة المدرسية، وصار ولا زال المنهج التأملي أداة هذه المعرفة. بيد أن الفلسفة اكتسبت عقب ذلك غنى، بسبب ظهور مشاكل جديدة، فكان لزاما، إذن تجديد منهج البحث الفلسفي. نتجت هذه الانقلابات، بطريقة مباشرة وحتمية، عن الكثافة الجديدة التي يكتسبها مدلول "شخص" دونما انقطاع، في الحقل التشريعي (قانونيا وسياسيا) وفي الحقل الفلسفي الإنساني العام.
إن الشخص لا يعرف، كما حاول آخرون أن يعرفوه بالتيار الحيوي، ولكن الحركة الهدفية التي تجعله دائما مقدما عليها، هي المحددة له. فالبنية الوظيفية، لكل شخصية اخضع لقابلياتها وإمكانياتها، كما تخضع للمواقف والحاجات، وأخيرا للبيئة. إن إحصاء مجموع هذه العوامل ينحصر في التحديدات الحالية، في فترة معينة من الحركة المشخصة. فمن وجهة السيكولوجيا المجتمعية، لا توجد تحديدات أخرى غير السابقة. يقول جيوم: "لا يمكن القيام بأية دراسة واقعية، لنمو الشخصية، إلا إذا اعتبرنا الوسط الذي يجب على الطفل أن ينسجم فيه. لكن الوسط المجتمعي على الخصوص، هو الذي غالبا ما يجعل الإنسان أمام المشاكل الأكثر تعقيدا وصعوبة". فالفيلسوف الميتافيزيقي لا يقف عند حدود المشكل السهل، الحاضر وعند حدود المظاهر البسيطة القابلة للتغيرات، إلا ليجاوزها. إنه لا يقف عند الأشياء المقنعة إلا ليثبت من مستواها إلى مستوى ما لم يلبس القناع بعد.
هكذا يفعل بالنسبة للكائن البشري. يرتفع من الشخص المحرر من العوائد، وضغط رقابة المجتمع ليصل إلى الإنسان. لا يجوز لنا أن نقول، بأن الشخص ليس إلا شخصية أزيل عنها القناع، ما دام الشخص صيرورة تطغى على كل تحديد، لما لها من غنى وإمكانيات، إنها ترمي إلى تحقيق الإنسان، كما يرمي جهاز ما إلى تحقيق حالة توازنه، الشخص هو الممكن في توتر نحو اللانهائية. فمحاولة تعريف الشخص بالنسبة إلى الشخصية، محاولة تحدد من ديناميته ومن إمكانياته، وتجمده في مراحله الأولى. لقد وصف (لاورانس) الصعوبات التي نلاقيها حينما نريد أن نتخلى عن شخصية لنتظاهر بشخصية أخرى. فلننصت إليه يحدثنا عن تجربته في هذا الموضوع: "حينما صرت أعيش بزي العرب، وأتكيف في قالب ذهنيتهم، شعرت بأن شخصيتي الانجليزية انتزعت مني: هكذا استطعت أن أشاهد الغرب وعاداته بعيون جديدة، كأني صرت منفصلا عن الغرب كامل الانفصال. لكن كيف السبيل إلى اكتساب ما يجعلني عربيا؟ لم تكن محاولاتي إلا تصنعا محضا. إنه من السهل أن يضيع لشخص إيمانه، ولكنه من العسير، بعد ذلك، أن يصل إلى إيمان جديد. فكوني تخليت عن شكل دون أن اكتسب شكلا جديدا افقدني كل استقرار .. "
الشخصية هي المنتهى المشترك لظاهرات تتعلق بالسيكولوجيا الفردية، وبالسيكولوجيا المجتمعية