تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجزائري دامت نحو العقدين من السنين استطاع المستعمرون احتلال البلاد الجزائرية حتى أعماق الصحراء وذلك سنة 1857.

وهكذا ظلت حركات التسرب الاستعمارية مستمرة طيلة القرن التاسع عشر في افريقيا وآسيا، وعلى الرغم من محاولات البرتغاليين احتلال الشواطئ المغربية فقد وقف الشعب المغربي، وكان وحده في المعركة، أن يرد كيد الغزاة، لكن الضربات المتوالية من قبل الاسبان ثم الفرنسيين أدت إلى إنهاك قوى البلاد والزج بها في حالة مزرية من الفوضى والاضطراب انتهت باحتلالها واقتسامها من طرف الدول الكبيرة المستعمرة.

وكذلك مرت بالتجربة كل الأقطار الإسلامية في الربع الأخير من القرن الماضي حسب التسلسل المعروف لدى الجميع، وكانت الظاهرة الهامة في هذا الاحتلال هي التجزئة لتلك الغنائم، وأخذ الأقاليم أو المناطق الإسلامية كل على انفراد مما سهل مهمة المستعمرين المقامرين.

لكن هذا التدهور السياسي للعالم الإسلامي لم يكن نتيجة بلا سبب، فقد حلت بهم الكارثة حين تفرقوا في المذاهب، وحين انقسموا شيعا في النواحي الفكرية والفلسفية، ثم حين عجز الفكر الإسلامي عن مسايرة التطور في البحث، فجمدت القرائح وأغلق باب الاجتهاد وأقفلت أبوابه حيث لم يعد هناك من هو في استطاعته أن يبحث ويحقق في الدين ويأتي بجديد، هذا الجمود في التفكير صاحبته أيضا روح التواكل والقدرية مما أدى إلى التشبث بالقشور وترك اللباب وهو الذي عمت به البلوى حيث سمح للجهل أن يتفشى في جميع أقطار الإسلام بلا استثناء. الأمر الذي أدى بدوره إلى انتشار الخرافة والفوضى الدينية التي لا تزال الدعوة الإسلامية تعاني منه في كثير من أجزاء الوطن الإسلامي.

وهكذا وقع الاحتلال في الحياة الاجتماعية للبلاد الإسلامية التي كانت مصدر الإشعاع، لقد اختل التوازن بين هدف الدعوة الإسلامية وبين الوضعية الاجتماعية، ذلك أن الإسلام دين القوة بكل مظاهرها دين النظر في الكون دين البحث والعلم، دين الثقافة والوعي الإنساني، لا دين الخرافة والسطحية.

لقد كانت الدعوة الإسلامية في العصور الإسلامية الزاهرة تنتمي، لمدة قرون، إلى دولة قوية ذات فعالية بمجتمعها الحي اليقظ، وذات تأثير هام في حركة التقدم الإنساني، وقد اتضح ذلك على الخصوص في عهد الإمبراطورية العربية، ثم العباسية، ثم بعد قيام الدويلات الإسلامية في الشرق والمغرب حتى منتصف القرن الثامن الهجري.

ومهما كان تأثير الانقسامات السياسية التي فتتت وحدة الإمبراطورية الإسلامية بعد العباسيين فإن تلك الدويلات كانت في الواقع تتنافس على الحكم وعلى العمل الجدي من أجل التقدم الحضاري، كان تنافسها في صالح خدمة العلوم المعروفة آنذاك واستجلاب العلماء الأفذاذ والأدباء الفطاحل وإكرامهم والافتخار بهم، وكان ذلك عاملا من العوامل المشجعة لروح النشاط والوعي ولقوة العالم الإسلامي، لكن الخلافات المذهبية قد أدت إلى نوع من القطيعة والتنافر الشديد بين الطوائف الإسلامية، وطالت تلك الخلافات وتشعبت منذ القرن السابع والثامن، فأصبح هناك فقهاء، وفلاسفة، ومتصوفة، إلى جانب الشيعة وأصحاب السنة، وأهل الرأي والمحدثين، وكل طائفة من هذه انقسمت على نفسها فذهب المسلمون شيعا متناحرة، وكان لهذه الانقسامات الفكرية والعقائدية إلى جانب الانقسامات السياسية، كان لذلك كله آثار سيئة بعيدة المدى في الرابطة الإسلامية، فحل الضعف والانحلال في معاقل الإسلام، وفي تلك الأثناء خلال القرن السابع، قام بعض علماء الإسلام يدعون إلى الوحدة والتسامح والبعد عن التناحر ثم الرجوع إلى الدين الصحيح الصافي في أصوله ومنابعه الأولى وهي القرآن والسنة، كان زعيم هذه الحركة هو ابن تيمية ومن بعده ابن القيم الجوزية صاحب الأرجوزة المشهورة، لكن الواقع هو أن الكارثة حلت ولا محيص عنها، فقد توجه ابن تيمية إلى جميع الفصائل المتناحرة فلم يجد منها طائفة تريد أن تسير على صواب،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٦٣