دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص28
التلقائية في انتشار الإسلام
للأستاذ: رشيد نجار
ـ 2 ـ
في الحديث السابق عالجنا بإجمال بعض المظاهر والمراحل الهامة في تطور انتشار الإسلام تلقائيا، وعرفنا بشكل مجمل أيضا كيف أن هذه التلقائية قد توقفت نسبيا في الأعصر الأخيرة، بعد أن كانت حركة واسعة النطاق، أدت إلى نتائج باهرة ستظل خالدة في تاريخ التطور الإنساني.
لقد ثبت لي من خلال ملاحظة تعداد السكان في جزر الهند الشرقية مثلا أو جنوب آسيا بشكل عام، أن حركة التلقائية في الإسلام قد كسبت كثيرا من الكتل البشرية، بعد أن توقف سيل الإسلام، ولا شك أن لهذه الظاهرة علاقة بالروح السلمية التي جاء بها الإسلام من جهة، وروح المسالمة التي تمتاز بالتشبث بها شعوب آسيا الهادئة من جهة أخرى، وبودي أن أتعرض لبعض الظواهر التي أعتقد أنها ستفسر ولو بعض الشيء الاضطراب والتوقف أحيانا في انتشار الإسلام، بالإضافة إلى ركود إلى ركود هذا الإشراق والإشعاع الروحي في الدعوة الإسلامية داخل الأقطار العربية بالخصوص: هذا الركود الذي يجب أن نحاربه بأعصاب هادئة وقلوب مؤمنة، لأن الحقيقة الساطعة هي أن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال.
والعالم العربي هو الذي كان المركز الأول لإشعاع الإسلام بلا مراء، لا لأنه يحتكر الدعوة الإسلامية التي جاءت هديا للعالمين، بل لأن هناك عاملا أساسيا لا يمكن التغاضي عنه في أمور الديانات والدعوات أو في نشأة الأمم بصفة أعم، ذلك هو عامل اللغة، واللغة العربية هي التي تلقت أحكام الإسلام في نصوص بليغة واضحة يعجز عن مثلها حتى العرب الفصحاء أنفسهم، وهو مضرب المثل في الفصحاء، وهذا ما يعني أن طالب القوة والوضوح في الدعوة الإسلامية لا بد له من تعمق العربية، أو الأخذ منها بنصيب وافر.
وفي اعتقادي أن أهم الظواهر التي توقف حركة التلقائية، أو روح الإشعاع الإسلامية ترجع في أساسها إلى حالة المسلمين من جهة، ثم إلى تقهقر اللغة العربية من جهة ثانية، وعجزها عن متابعة الدعوة الإسلامية ومصاحبتها إلى الأقطار النائية، وأخيرا إلى طغيان الحركات الأوربية الاستعمارية وما صاحبها من مذاهب وحركات وأفكار منحرفة، وفي مقدمة تلك المذاهب أو الحركات نجد المذاهب المسيحية أو حركات التبشير، وهي التي وطدت للقوات الاستعمارية المادية والفكرية بجميع مظاهرها، وهنا أيضا نلاحظ الأساس الأول في نجاح تلك الحركات، فاللغات الأوربية التي انتشرت بين الشعوب المستعمرة وأنشأت بينها وبين الدول المستعمرة نوعا من الرابطة الضرورية أو الإجبارية، منحتها أسلحة حادة ستظل الشعوب المستعمرة تعاني من سمومها أجيالا طويلة.
حالة المسلمين: كانت أم نقط الارتكاز للاستعمار الأوربي الحديث بالنسبة للشعوب الإسلامية ثلاثة: أولها السيطرة على جزر الهند الشرقية منذ بداية القرن السابع عشر من قبل هولندا، وذلك بعد السيطرة الاقتصادية التي قامت بها شركة الهند الشرقية الهولندية منذ سنة 1609، أما نقطة الارتكاز الثانية فكانت بلاد الهند، حيث تأسست بها أيضا شركة الهند الشرقية البريطانية سنة 1600، وعملت على السيطرة على جميع مقدرات وإمكانيات البلاد اقتصاديا، ثم انتهت العملية باحتلال الهند سياسيا، وتم ذلك رسميا في سنة 1857، وكانت نقطة الارتكاز الثالثة للاستعمار هي محاولة النزول في افريقيا: ولما فشلت حركة السيطرة على مصر في حملة نابليون اتجهت أنظار الاستعماريين في فرنسا إلى الجزائر التي تم لهم النزول فيها منذ سنة 1830، وبعد مقاومة عنيفة من طرف الشعب