تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يعجبني ما قرره شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله أن الاستدلال بالآية، على أن المصحف لا يمسه المحدث، بوجه آخر فقال: هذا باب من التنزيه والإشارة، إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من الآية.

هذا وقد يقول قائل: ما قولك في الرواية التي تحكي عن إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين دخل على أخته وزوجها مقتحما عليهما الباب وهو في غضب وهيجان لإسلامهما - أو صبئهما كما يقول المشركون، ومنهم عمر قبل إسلامه، وقد وجدهما يقرآن في صحيفة (سورة هود) فقال لأخته: ناوليني الصحيفة، فأجابته: إنك مشرك نجس، والقرآن لا يمسه إلا المطهرون، فامتثل عمر وتوضأ.

أقول: الله أعلم بثبوت هذه الرواية أو بصحة بعض ما جاء فيها، وفي نفسي منها شيء، منها امتثال عمر ولينه لأخته - بهذه السهولة - واستجابته لأمرها فيغتسل فورا ليقرأ هذه الصحيفة وهو لا يزال باقيا على شركه وعناده، وفي ذلك ما يخالف المعهود من طبع عمر، وشدة بأسه ومراسه، وإذا سلمنا أن الله عندما أراد هدايته، ألان قلبه وأسلس قياده، فما قول سادتنا الفقهاء في صحة طهارة الكافر المشرك؟ هل تصح منه طهارة؟ أو هي مشروطة بالإيمان والدخول في الإسلام أولا ليصح منه اغسل أو غيره من أنواع العبادات؟.

وعلى تقدير ثبوت هذه الرواية - بكل ما جاء فيها - وبصحة هذا الحكم - فهناك شيء يتعارض معها. وهو مكتوب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية إلى هرقل عظيم الروم، وفيه شيء من القرآن، والمبعوث إليهم نصارى، والنبي صلى الله عليه وسلم يتيقن أنهم يمسونه من غير طهارة.

وشيء آخر أن هناك رواية - لم أتمكن من صحتها بعد- تقول: إن الآية (لا يمسه إلا المطهرون) وهي من سورة الواقعة - قد نزلت بعد سورة طه في رواية جابر بن زيد التابعي المشهور - وهو ثقة جليل، وقد جاء ذلك في تحقيق الإمام إبراهيم البقاعي في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" مخطوط.

وكذلك قول أخت عمر له: (إنك مشرك نجس) وهذا ما عرف بين المسلمين، إلا بعد الهجرة وفي آخر ما نزل من القرآن في سورة براءة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) فليتأمل المتأملون.

وعليه، فإذا تحقق لديك هذا أدركت الصواب من القول، والراجح من الوجوه المذكورة، وما بعد البيان الإلهي من بيان (إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب)، ومن يتدبر كلام الله ويعتصم به (فقد هدي إلى صراط مستقيم)، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.

وختاما، نضع هذا - وكل ما ذكر قبله في هذا البحث من أوله - تحت أضواء الكتاب والسنة وبلاغة العرب أمام إخواننا العلماء المتضلعين من علوم القرآن والحديث، متشوقين إلى زيادة ما عندهم من تحقيق أو مراجعة في الموضوع بكل ما له أو عليه مع كامل القبول ومزيد الترحيب، تنويرا للأذهان، وخدمة للحقيقة المنشودة التي هي ضالة الجميع، وفق الله وأعان.

وإلى اللقاء في بحث آخر إن شاء الله.

(يتبع)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٦١