بمنزلة الآية في سورة عبس ?فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ? [عبس: 12 - 16]، وهذا النوع من تفسير القرآن بالقرآن هو أجل تفسير، وأبلغ بيان باتفاق جميع العلماء.
وكذلك هذه الآية من سورة الواقعة (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ) هي بالضبط نظير قوله تعالى في سورة البروج ?بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ?.
فالآيتان متشابهتان في اللفظ والمعنى فـ (قرآن كريم) مثل قوله (قرآن مجيد) هنا، و (في كتاب مكنون) مثيله: (في لوح محفوظ)، سواء بسواء، فكل واحدة من الآيتين تفسير للأخرى تماما وكمالا من غير تناقض ولا اختلاف.
وخلاصة القول: أن (سورة الواقعة) هي في الواقع نزلت لأمر هام، أهم من تقرير حكم بطلب شيء أو تركه، وقد ساقها الله تنزيها للقرآن أن تتنزل به الشياطين، وردا لافتراء المبطلين من أهل الشرك والإلحاد، فجاء سبحانه وتعالى بالقسم العظيم: إن هذا القرآن لكريم، وإن محله لأعلى عليين، لا يصل إليه ولا يمسه إلا المطهرون من عباد الله المكرمين. فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه، فضلا عن أن يمسوه أو يتنزلوا به ?وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ? [الشعراء: 211] كما جاء في آخر سورة الشعراء، وما ورد في أول سورة الزخرف من قوله تعالى: ?إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ? وكلك في سورة عبس: ?فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ? فوصفه تعالى ومحله بهذه الصفات بيانا، أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به، وتقرير هذا المعنى أهم وأجل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر، وأنه أبلغ في الرد على المكذبين، وأبلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.
وزيادة على ذلك: فإن قوله تعالى: (لا يمسه) (برفع السين) هو خبر لفظا ومعنى، ولو كان نهيا لكان منصوبا (شأن المضارع المضاعف) ومن حمل الآية على النهي، احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هنا ما يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.
وهناك نظرة أخرى في المستثنى حيث قال تعالى: (إلا المطهرون) بتخفيف الطاء وتشديد الهاء المفتوحة (اسم مفعول) ولو أراد منع المحدث من مس المصحف لقال (إلا المتطهرون) (اسم الفاعل)، كما قال في سورة البقرة: ?إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ? [الآية 222] وفي الحديث: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) فالمتطهر فاعل التطهر والمطهر الذي طهره غيره، فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون.
وهناك - أيضا - وجه آخر من الوجوه المرجحة فيما ذهب إليه المحققون، وذلك أنه لو أريد به المصحف الذي بين أيدينا لم يكن في الإخبار عن كونه مكنونا كبير فائدة، إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب، لا يستلزم ثبوته، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب، وهذا أمر مشترك، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله، وأنه محفوظ مصون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون، وهم السفرة الكرام البررة.
وعليه، فبحسب هذه الوجوه المقررة، وما أتينا به من الدلائل قبل، يتضح المعنى لمن يتدبره بإدراك حر، وفهم نزيه - بعيد عن التقليد والتعصب الذي يحجب الفهم ويغلق باب الإدراك - إنه لا دليل من الآية الكريمة على مس المصحف كما هو السائد الشائع عند أكثر الناس، فإن الآية في ناحية، وفهم المقلدين في ناحية أخرى، وأن ما ذهب إليه بعضهم من كتابة قوله تعالى - على جلدة المصحف الشريف - بارزة أو مزخرفة - هم في ذلك مخطئون كل الخطأ، ولا دليل لهم من الآية إلا التقليد.
على أنهم لو رجعوا إلى السنة لوجدوا بها الذي يطلبون، فقد روى أصحاب السنن من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديانات (ألا يمس القرآن إلا طاهر)، وقد رجح العلماء صحة ما رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في الموطأ، ثم الآثار بعد ذلك كثيرة.