وعلى هذا يكون عود الضمير - المتقدم في الذكر - على (كتاب مكنون) بعيدا كل البعد لقرير حكم من أحكام الطهارة من الأحداث - كما ذهب إليه بعضهم - في مقام يقتضي الرد بالتوكيد البليغ، والقسم العظيم من الله، وذلك ما يتعثر به الفهم، ولا يكاد يسيغه الذوق السليم إلا بتأويل بعيد، وتكلف شديد، وهيهات.
أيها المفسرون .. أيها الفقهاء .. إن آيات سورة الواقعة قد نزت لتقرير أمر عظيم، ورد زعم باطل افتراه المشتركون وتقولوه على الرسول الأمين- الذي هو تنزيل من رب العالمين، وذلك من شأن القرآن المكي في تقرير إثباته من عند الله، وبيان حقيقة من حقائق النبوة، وصدق الرسالة، ورد مزاعم المشركين ومفتريات الملحدين، على أن الأمر لو كان المراد به في هذه الآيات نهي المحدث من الناس عن مس القرآن لكان الأسلوب غير هذا، كما هو الشأن في القرآن المدني لدى تقرير الأحكام، وهي على كثرتها ما عهد فيها يمين ولا إقسام من الله كما جاء في آيات الواقعة التي لا علاقة لها بتاتا بنهي المحدثين - سواء أكانوا مؤمنين أو غير مؤمنين - عن مس المصحف المعهود، وهو يومئذ لم يكن تاما ولا مجموعا في كتاب، وإن يكن هناك نهي عن مسه ولو جزءا منه - كما يقول الفقهاء - فبنص الحديث الشريف، لا بنص القرآن الكريم، كما يأتي ذلك قريبا في هذا البحث.
وعلى هذا جرى مفسرو السلف من الأئمة الهداة الثقات، وفي طليعتهم الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى، فقد أتى في تفسيره الكبير (جامع البيان) بعدة روايات لهذه الآيات الثلاث: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) عن الصحابة والتابعين المعتمدين من أصحاب ابن عباس وغيره، كمجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وأبي نهيك وأبي العالية الرياحي. وعندما ختم ابن جرير هذه الروايات المتفقة كلها على أن المراد بالكتاب المكنون: هو الذي في السماء، و (المطهرون) هم الملائكة وأمثالهم من عباد الله المكرمين - عقب على ذلك بقوله، كعادته - مما يصح عنده ويرجحه ويختاره من الروايات، فقال:
والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون ولم يخصص بعضا دون بعض، فالملائكة من المطهرين، والرسل والأنبياء من المطهرين، وكل من كان مطهرا من الذنوب فهو ممن استثنى.
هذا ما قاله الإمام ابن جرير الطبري، وما أتى به من الروايات من دون أن يأتي برواية واحدة - ولو ضعيفة - تقول بنهي المحدثين عن مس المصحف القرآني، فما السر في ذلك يا ترى؟
أما المفسرون الآخرون - قديما وحديثا - فالكثير منهم يأتي "بالوجهين" وبعضهم ينتصر لهذا والبعض الآخر ينتصر لذاك، حسب الاطلاع والتعمق، أو تبعا للميول الخاصة، والتأثر بالمذاهب.
على أنه قليل - وقليل جدا - من اقتصر منهم على أن النهي في الآية يراد به الخبر، وأن "الكتاب المكنون" هو القرآن نفسه، "والمطهرون" هم المتطهرون من الأحداث، كما قاله جلال الدين المحلى في التفسير المشهور بالجلالين، وهو التفسير المتداول بين عموم القاصرين، ويكاد يكون عند هؤلاء هو الحجة القاطعة، والقول الفصل.
وماذا عسانا أن نقول في اقتصار هؤلاء على هذا الوجه القاصر، فهل كان ذلك اختصارا؟ وتبعا للمذهب الخاص؟ - كما ذهب إليه بعض من ألف في أحكام القرآن؛ قد يكون هذا أو ذاك، مجتمعين في أو منفردين.
ولك أيها القارئ الكريم، أن تراجع ذلك بإمعان وإنصاف، متجردا من كل تأثر، وقابله بما أتى به الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره الكبير، وما ساقه الإمام ابن حزم من الأدلة والشواهد والردود في كتابه القيم "المحلى"، فإنك تقف على فوائد جليلة وعلم غزير.
وانظر - كذلك - فيما روي عن قتادة في آية "لا يمسه إلا المطهرون" أنه قال: ذاكم عند رب العالمين "لا يمسه إلا المطهرون" من الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك النجس، والمنافق الرجس.
وقد روي عن الإمام مالك رحمه الله، أنه قال أحسن ما سمعت في الآية "لا يمسه إلا المطهرون" أنها