تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص24

أضواء على آيات قرآنية

للأستاذ: حسن بغدادي القادري

- 2 -

عودا على بدء لإنهاء بحثنا المنشور في العدد السالف، تحت العنوان أعلاه حول الآيات الثلاث من سورة الواقعة - وذلك قول الله عز وجل: ?إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ? [الواقعة: 77 - 80]- وكيف فهمها بعض المفسرين وطائفة من الفقهاء المقلدين، فهما لا يتفق وما عناه الله في كتابه المبين، وهو الساطع نوره، تكشف أضواؤه المنبثقة من الآيات الأخرى في اللفظ والموضوع فتزيد المعنى وضوحا وإشراقا.

إن القرآن لا يتجزأ في معانيه بتناقض أو اختلاف، وكثيرا ما يفسر بعضه بعضا، فما تجد منه مجملا في آية فهو مفصل في آية أو آيات أخر، وما أسهل ذلك على من يستقرئ التنزيل ويتتبعها بتدبر وإمعان.

ولكن، كيف غاب كل ذلك عن هؤلاء وأولئك؟ فذهبوا يتخبطون ويشطون عن الصواب، مبتعدين عن الفهم القريب السليم، بل أخذوا يتكلفون ما لا لزوم له، فجاء تأويلهم مجحفا، وتفسيرهم مخلا بالمعنى المراد، إخلالا يتنزه عنه القرآن - وهو أعظم سفر وأجل كتاب فصاحة وبلاغة، لا يتضارب ولا يتناقض، ولا يختلف في مبناه ولا في معناه، يؤيد آخره أوله، ويوافق لاحقه سابقه، من غير انتقاض ولا اختلاف، قال تعالى: ?وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً? [النساء: 82].

نعم، كانت تأويلاتهم بعيدة عن فهم كتاب الله الذي ?لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ? [فصلت: 42].

نقول هذا ونكرره، وحجتنا القرآن نفسه، ودليلنا كلام العرب الذين نزل بلسانهم المبين وكفى بالله حجة ودليلا.

ومما يزيد المعنى وضوحا - في الآية الكريمة - من أن المراد غير ما ذهب إليه بعضهم من الفهم والتأويل: هو عود الضمير - في قوله تعالى: (لاَ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إلى (كِتَابٍ مَّكْنُونٍ) وهو أقرب مذكور، حسب (القاعدة المعروفة)، ولا قرينة هنا تصرفه إلى البعيد، فيكون من الأسبق بل من الأولى والأحق أن يعود الضمير إلى القريب وكفى. وذلك ما يتبادر إلى الفهم، فإن البساط يخصص، والقرينة حاكمة: إن المراد من الآية الكريمة هو نفي وصول الشياطين إلى هذا "الكتاب", ومسه يكون بالتلقي عن الله، وبالأخذ والانزلاق من السماء، وهذا الكتاب عند الله مكنون مصون "لا يمسه إلا المطهرون" وهم الملائكة، أما الشياطين الأنجاس فما ينبغي لهم ذلك وما يستطيعون، ?إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ?، كما جاء في آخر سورة الشعراء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٥٨