وطريقة تنفسها لم توجد قط حشرة ضخمة الجسم، وهذا الحد من نمو الحشرات منعها من الطغيان والسيطرة ووقفها عند حدها، ولولا وجود هذا القانون الطبي ما أمكن الإنسان فتصور الإنسان في أول أطواره يصادف زنبورا في حجم الأسد أوعنكبوتا مثل ذلك.
ولم يكتب إلا قليل من أنظمة أنواع الحيوان الكثيرة بتلك الأنظمة الفيزيولوجية العجيبة التي بدونها لا يمكن وجود حيوان ولا نبات أيضا، وإذا وجد ألم يكن استمرارهما، وتلك الحقائق بلغت من الأهمية غايتها حتى صار ذكرها واجبا حتما، لقد انتبه العالم إلى وجود هذه الحقيقة، وهي أن هناك أشياء كالفيتامينات، وكان الناس من قبل يجهلونها وعرفوا أن فقد هذه الفيتامينات يسبب أمراضا: نحو بلاكرا، وبربرز وسكرفوي وسائر الأمراض التي تعرف بأمراض سوء التغذية، ولا بد أن الانسان قد عاش ملايين السنين قبل أن يعرف هذه المواد التي هي ضرورية لاستمرار حياته، فإن الأسفار الطويلة في البحر بدون غذاء تام تفضي إلى مرض (سكرفوي) وقد اكتشف أن عصير الليمون دواء نافع لهذا المرض، وكان الملاحون في السفن الكبيرة في الزمن القديم يسمون عاصري الليمون، ولم يكن الملاحون الأقدمون يعرفون سبب مرض سكرفوي، وهذا الدواء البسيط اكتشفه فاسكودي كاما، لما كان ملاحوه يموتون في مدغشقر، غير أنه مضى قرن من الزمان أو أكثر قبل أن تكتشف العلاقات بين الليمون وبين اختفاء مرض سكرفوي، وقد زال هذا المرض الفتاك وانقطع عن المسافرين في البحار بسبب ما ذكرنا، انقضى قرن آخر أو أكثر قبل أن يعرف الانسان قيمة الفيتامينات التي توجد في الليمون، ولكنه لم يكن يعرف حينئذ ما تشتمل عليه هذه الفاكهة، كذلك عاش ملايين السنين أيضا قبل أن يعرف وظائف المعامل الكميائية الصغيرة المعروفة بالغدد الصم، التي تمده بالتركيبات الكيميائية التي هي جد ضرورية له، وهي تصنعها وتسيطر على حركاته وأعماله، أضف إلى ذلك أن تلك المواد التي بلغت من القوة أن جزءا من بليون منها يحدث آثارا بعيدة المدى، هي منطقة، ينظم كل منها غيره ويحفظ توازنه، وقد علم يقينا أن هذه الإفرازات المعقدة إذا اختل توازنها حدث اختلال عقلي وجسمي في غاية الخطورة، ولو عمت هذه المصيبة لاضمحلت المدنية وانحط الجنس البشري إلى حالة الحيوان الأعجم، هذا إن أمكن بقاؤه، على أننا لو اعتمدنا على هذه الضوابط والموازين وحدها التي بدونها لا يمكن وجود الحياة، كما نعهدها لواجهنا بقاء الإنسان بمسألة حسابية تستحق قدرا كبيرا من الاهتمام عند المدافعين عن عقيدة المصادفة.
تعقيبات:
1 ـ تعجب المصنف من التوازن الذي جعله الله بين أجناس المخلوقات بسبب التضاد الذي فطرت عليه حتى لا يطغى بعضها على بعض ويستمر بقاء كل منها بالقدر الذي يصلح به نظام الحياة وعمارة الأرض، وكل ذلك سخره الله للإنسان، فهو السيد الحاكم المتصرف المستغل المستمتع، وقد جاء في كتاب الله من التنبيه على هذه القاعدة ما فيه عبرة لأولي الألباب المنصفين الأحرار، قال تعالى في سورة البقرة (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين) وقال تعالى في سورة الحج (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) الصوامع (معابد الرهبان والراهبات التي انقطعوا فيها إلى العبادة وتركوا أمور الدنيا يريدون بذلك التقرب إلى الله، والبعد عن فتنة الدنيا حسب اعتقادهم، كما قال تعالى في سورة الحديد: (ورهبانية ابتدعوها) وقد أمر النبي (ص) المسلمين إذا وقع بينهم وبين النصارى قتال، أن يحترموا الرهبان والراهبات ولا يتعرضوا لهم بسوء إلا إذا اشتركوا في القتال. والبيع جمع بيعة وهي في الأصل الكنيسة التي بنيت قبتها على شكل بيضة، لأن البيعة باللغة السريانية هي البيضة، قلبوا الضاد عينا كما فعلوا ذلك في ضاد الأرض فقالوا (أرعا) ومن المعلوم عند من يعرف اللغة السامية، أن الضاد تصعب على السريانيين والعبرانيين فيقلبونها ويبدلونها بحرف آخر، ثم عم لفظ البيعة كل كنيسة للنصارى، والصلوات جمع صلاة، وهي معبد اليهود ويسمى في اللغة العبرانية المستعملة إلى اليوم (بيت تفلا) أي بيت الصلاة، والمساجد معابد المسلمين، وقد جاء الاسلام باحترام هذه المعابد وسلط على كل ظالم مقاوما يردعه ويرده عن غيه وما أحسن قول الشاعر:
وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم