دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص14
الموازين والضوابط
للدكتور: تقي الدين الهلالي
ـ 17 ـ
ما أعب نظام الضوابط والموازين الذي منع أي حيوان، وأن بلغ من الضراوة والقوة وعظم الجسم والمكر كل مبلغ، من التحكم في أهل الأرض والسيطرة عليهم من عصر الحيوان القشري المتجمد، لكن الإنسان وحده قلب هذه الموازين الطبعية بنقله الأشجار وسائر النبات والحيوان من مكان إلى مكان، إلا أنه قد أدى ثمن تلك السيطرة وعوقب عقابا شديدا بسبب تطور الحيوان والحشرات والنبات وما نشأ عن ذلك من الآفات.
والحقيقة التالية مثال واضح يدل على أهمية تلك الضوابط وذلك التوازن بالنسبة لوجود الإنسان، قبل سنين عديدة زرع نوع من التين الشوكي (الهندية) في استراليا على شكل سياج (زرب) وقائي، ولا توجد في استراليا حشرات مضادة لشجر التين الشوكي، فلذلك نمى بسرعة غريبة حتى غطى مساحة واسعة تساوي مساحة البلاد الانكليزية كلها وضايق أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحال بينهم وبين الزراعة، ولم يستطع أهل تلك البلاد أن يجدوا وسيلة لوقفه عن الانتشار، وأصبحت استراليا في خطر من جراء جيش من الزرع الصامت يكتسحها، لا طاقة لها بدفعه. وعند لك أخ علماء النبات يبحثون في جميع أنحاء الدنيا عن وسيلة تقاوم انتشاره، حتى عثروا في نهاية بحثهم على حشرة لا تعيش إلا على التين الشوكي، ولا تأكل شيئا آخر، وهي سريعة النمو والتكاثر وليس لها عدو يقاومها في استراليا، فأخذت في أكل التين الشوكي حتى قضت عليه، ثم قل عددها ولم يبق منه إلا القدر الكافي لوقف ذلك النوع من النبات عند حده إلى الأبد.
وكذلك خلق الله الضوابط والموازين لوقف كل نوع من المخلوقات عند القدر الصالح حتى لا يطغى بعضها على بعض.
لماذا لم تسيطر بعوضة الحمى الناقض (الملاريا) على أهل الأرض فتجعل أسلافنا عبر الأعصار والقرون يموتون بسببها أو يكتسبون مناعة؟ ومثل ذلك يقال في بعوضة الحمى الصفراء التي انتشرت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت نيويورك، والبعوض كثير جدا في المناطق المتجمدة، ولماذا لو يتطور ذباب (تسي تسي) حتى يعيش في غير المناطق الحارة، وحينئذ يقضي على البشر ويمحوهم من الوجود؟، وهنا ينبغي لنا أن نذكر الطواعين والأوبئة القتالة التي لم يكن للناس ما يحميهم أو يمنعهم منها إلى أمس القريب، ويذكر ما كان عليه الانسان من الجهل التام بقواعد الوقاية الصحية، ليعلم أن بقاء الجنس البشري مع كثرة أعدائه أمر عجيب تتحير فيه الألباب، هذه الحقائق العجيبة من أسرار الطبيعة تستحق الذكر والاعتبار، وإن كانت لا تكون بالضرورة برهانا تاما على وجود العناية الربانية من طريق مباشر، ولكنها تضاف إلى البراهين السابقة فتزيدها قوة ووضوحا.
إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان، وإنما تتنفس بواسطة أنابيب، فإذا نمت وكبرت أجسامها لا تنمو تلك الأنابيب بنمو الحشرات، فيتوقف نموها بسبب ذلك، فلا تجد حشرة تزيد في طولها على بضع بوصات (البوصة هي الانتش باللغة الانكليزية، وقد تقدم وهي تساوي ثلاث سنتمترات إلا قليلا) ولا تطول أجنحتها إلا قليلا، وبسبب تكوينها الجسمي