تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاسلام جاء ليدفع الإنسان إلى الخروج من الطفولة البشرية إلى الرشد الإنساني، أي أنه جاء لتطوير المعنى الإنساني في الإنسان، فليس المعنى الإنساني إلا ذلك الترابط الاجتماعي. وإلا تلك العلاقات بين الأفراد التي تؤسس على التعاون، وعلى شتى أنواع الرعاية بينهم. وقد رأينا أن معنى البدائية هو التفكك في العلاقات بين الأفراد، أو هو سيطرة الأنانية، "والفردية" أو بعبارة أخرى سيطرة الحيوانية والغرائز، دون ما يتميز به الإنسان من خصائص وينفرد به عن بقية الكائنات الأخرى الحية التي لها الحركة والتي لها السعي في سبيل حب البقاء.

الاسلام جاء يحث على التعاون فقال: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" حث على البر فقال: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" حث على الإحسان في المعاشرة فقال: "إن أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" وعلى الأخص بين الزوجين فقال: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" حث على العدل فقال: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا" حث على رعاية البشرية وصيانتها من الظلم والعسف فقال: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى".

كل هذا وغيره مما حث عليه الإسلام هو دفع لنمو العلاقات الاجتماعية، والتطور الاجتماعي. ورسالة الاسلام تكاد تنحصر في أمرين: ضغط الأنانية وكبت الفردية من جهة، وإيقاظ المشاركة الوجدانية وتنمية العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى. رسالة الإسلام هي إبعاد الطفولة الإنسانية عن تصرفات الإنسان، وإحلال الرشد الإنساني محل هذه الطفولة ليبقى الإنسان متميزا، ولتبقى له الكرامة والسيادة.

فالإسلام إذ يقول: "ولقد كرمنا بني آدم". لا يقصد بتكريمهم إلا أنه ميزهم عن غيرهم بالخصائص الإنسانية. والله إذ أرسل الرسل برسالة لم يقصد إلا أن يمكنهم من الريق الذي يهديهم إلى تحقيق هذه الخصائص في سلوكهم وتصرفاتهم.

وبهذا إذا فهم التطور الاجتماعي على نحو ما شرحنا، وفهمت مقتضيات العصر في ظل التطور الاجتماعي ـ كان الاسلام مصدر دفع لهذا التطور، مصدر تقدير لهذه المقتضيات التي من شأنها أن تدفع إلى هذا التطور.

أما إذا أريد بالتطور الاجتماعي مذهب سياسي خاص، أو مذهب سياسي معين، فالإسلام نظام مستقل يتلاءم مع ما يتفق معه في الهدف والخطة ويتنافر مع ما يختلف معه في هذا وتلك.

وإذا أريد بمقتضيات العصر ضروب خاصة من التصرفات في المجتمعات القائمة ـ فقبل أن يحدد موقف الاسلام: سلبا أو إيجابا منها، يجب توضيحها أولا.

والإسلام على كل حال ليس إلا ذلك النور الذي يهدي إلى الصراط المستقيم. وليس الصراط المستقيم إلا ذلك الطريق الموصل إلى غاية الإنسانية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٤٧