تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى الآخر أمرا واضحا، وبذلك يكون "التعويض" والتعويض مبدأ دوري في الحياة، لأنه يتجاوب مع مبدأ آخر هو أصل الحياة نفسها. وهو "الثنائية": الفاعل والقابل. والموجب والسالب. فلولا هذه الثنائية، ولولا هذا التقابل بين القابل والفاعل، والموجب والسالب لما اجتمع أمران، ولما وقع انسجام في الحياة إطلاقا.

إن "التشابه" التام بين شيئين سبب من أسباب الاحتكاك والاصطدام وليس سببا من أسباب الالتقاء والانسجام. إذ عندئذ كلاهما لا يشعر بحاجة إلى الآخر، أو كلاهما لا يرى أن به فراغا يسده الطرف الآخر. فتساوي الرجل والمرأة في الإرادة أو عدم الإرادة مدعاة إلى الفرقة بينهما وليس اللقاء والانسجام، رغم أن هناك مفارقة أخرى بينهما هي الذكورة والأنوثة، والتشابه في الصفات الجسمية وفي تكوين البدن، وفي ملامح الوجه بين الرجل والمرأة. سبب من سبب الفرقة، وإن كانت هناك مفارقة أخرى هي الذكورة والأنوثة، فالمرأة تريد رجلا. أي تريد إنسانا مقابلا لها في الخصائص النفسية والبدنية. والرجل يريد امرأة، أي يريد إنسانا مقابلا له في الخصائص النفسية والبدنية. عندئذ يكون اللقاء أمرا طبيعيا، ويكون الانسجام ظاهرة اللقاء الأول. أي رجل يريد امرأة تكون لها عضلات الرجل؟ وأي رجل يريد امرأة تتجرد من عاطفة الأنوثة، وتكون لها الإرادة الصلبة التي للرجل، لك الإنسان الذي مارس الحياة، وارتاد صعابها وأزماتها؟ وأية امرأة تريد رجلا له التكوين الرقيق الذي للأنثى في عضلاتها؟ وأية امرأة تريد رجلا تسيطر عليه العاطفة فيكون مترددا في قوله وفي تصرفاته؟. يميل حسبما تتجه به الريح، وحسبما يكون التأثير عليه؟

وهنا تكون "الرئاسة" أو "القيادة" في المجتمع أمرا طبيعيا يقوم على طبيعة هذا المبدأ الضروري. على معنى أن يكون هناك راع، وتكون هناك رعية، وأن يكون هناك قائد أو رئيس، ويكون هناك من يتوجهون بتوجيهه، ويتبعون قيادته. ولو فرض أن الأفراد جميعا أرادوا أن يكونوا رؤساء لما كان احتكاك بينهم. ولو فرض أنهم جميعا مرؤوسون بدون رئيس لما كان هناك مجتمع، ولما كان هناك سبب يحملهم على الانقياد في اتجاه واحد، وغاية واحدة وعندئذ يكون الاحتكاك والاصطدام هو السائد على العلاقات بينهم إن كانت هناك علاقات.

وهنا ندرك: لماذا يعبد الله؟ ولماذا يجب على الناس جميعا أن يخضعوا لقيادة موجه واحد، هو الله سبحانه وتعالى:

إن عبادة الله يفرضها هذا المبدأ الطبيعي للوجود، وهو مبدأ "التقابل" الذي هو أصل الانسجام في الحياة، ومطلوب الإنسان في حياته أن يكون منسجما مع نفسه ومع من عداه في وجوده الخاص والعام:

والتطور الصناعي في وقتنا المعاصر إذا كان في خدمة الإنسانية فهو في خدمة التطور الاجتماعي، وعندئذ يكون من مقتضيات العصر.

ومعنى كونه في خدمة الإنسانية أن يبقى الإنسان ذا سيادة وألا تكون الآلهة هي السيد. معنى ذلك أن يستخدم الإنسان الآلة في رفع مستوى معيشته، وفي وضعه الاجتماعي وفي تخفيف المرض، وفي إزالة الجهل والأمية وفي التنوير والتبصير بالحياة والكشف عنها لا أن يكون عبدا ذليلا لها، تفرض عليه الرق والعبودية ويكون مسخرا لها. إذ عندئذ تصبح مصدرا للقلق والاضطراب، وبذلك تكون معوقا له عن أن يصل إلى الهدف الأخير للتطور الاجتماعي، وهو التعاون والتواد، والتحاب بين الناس جميعا.

الاسلام وموقفه من التطور الاجتماعي وفقا لمقتضيات العصر:

الاسلام هو رسالة السماء إلى البشر على هذه الأرض، وهو رسالة الله للناس جميعا، لا فرق بين عربي وأعجمي، أي لا فرق بين فرد وآخر، جاء ليهدي البشرية إلى الطريق الذي يصل بها إلى تحقيق معنى الإنسانية في حياة الإنسان.

فإذا كان معنى الإنسانية الأخير ـ كما شرحنا ـ هو لقاء الإنسان بالإنسان ومودة الإنسان للإنسان، وأخوة الإنسان للإنسان، وتعاون الإنسان مع الإنسان ومحبة الإنسان للإنسان، فالإسلام جاء ليوقظ في الإنسان هذه المعاني وينميها فيه، ويحثه على رعايتها وعلى أن يتمثلها في سلوكه وتصرفاته.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٤٦