فإذا ما ابتدأ الأفراد يحددون علاقاتهم بعضهم ببعض. ويدركون الإطار الذي تدور فيه هذه العلاقات ـ هنا يبتدئ قيام "المجتمع" وكلما تحددت علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وكلما وضح الإطار الذي تدور فيه هذه العلاقات، وبالتالي وضحت الأهداف والغايات التي يسعى إليها هؤلاء الأفراد كلما برز المجتمع، وكلما وضحت الإمارات مع وجوده القوي.
فإذا أدرك أفراد الأسرة فعلا علاقات بعضهم ببعض، وارتبطوا فيما بينهم على أساس من التعاون والرعاية المتبادلة عند الأزمات التي تجد بينهم، أو تطرأ عليهم من غريب عنهم، وعرفوا حدود ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك في سبيل هذا التعاون، وفي سبيل هذه الرعاية، ووقفوا على أن لهم جميعا هدف واحدا هو أن تبقى أسرتهم، وتبقى قوية عزيزة، في مواجهة غيرها من الأسر ـ هناك يكون الوعي الاجتماعي قد تيقظ بين أفراد هذه الأسرة وأخذ طريقه نحو غايته، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أقوى منها، حتى يصل الأمر بينهم إلى تكتل أو وحدة.
وإذا ما تجاوبت أسرة مع أسرة في العلاقات، وارتبطت معها في الهدف هنا يكون المجتمع الكبير قد تأسس، فإذا ما اتسع نطاق العلاقات المشتركة والترابط إلى عدد من الأسر، أو إلى كثير من الأفراد ـ عندئذ يكون المجتمع الإنساني قد قطع جملة من المراحل في سبيل وجوده، وفي سبيل بقائه أيضا.
وهكذا: النمو الاجتماعي يسير في اتجاهين: بينما يتجه نحو الامتداد والاتساع، يتجه أيضا نحو العمق والغور. أي في الوقت الذي يسعى فيه إلى جمع أفراد كثيرين، يسعى أيضا إلى تعميق الروابط الإنسانية المشتركة بينهم. وعمق العلاقات بين الأفراد، وقوة الترابط الإنساني بينهم يبدو أولا: في التعاون المثمر، وثانيا في المحبة والأخوة. وبعبارة أخرى يبدو هذا وذاك في تحقيق أهداف الإنسانية وهي التحرر من السيطرة الحيوانية، وسيطرة الغرائز وسيطرة الطفولة على العلاقات بين الأفراد.
مقتضيات العصر:
وإذا كان التطور الاجتماعي هو التحرر من سيطرة الحيوانية، والغرائز والطفولة البشرية، أي التحرر من سيطرة الفردية والأنانية ـ فمقتضيات العصر إن كانت دافعة على هذا التحرر تكون من عوامله ويكون التطور عندئذ آخذا طريقه الطبيعي نحو غايته الأخيرة، وهي الإنسانية فيما تتميز به من محبة، وتعاطف وتواد بين أفرادها.
وبذلك تحدد مقتضيات العصر تبعا لتحديد معنى التطور الاجتماعي نفسه، وليس تبعا لما يوضع من رغبات، ويوجه المجتمع نحوها بعض الكتاب والمفكرين.
فالطائفة والحزبية، والمذهبية، والعصبية، والقبلية، لا تعد من مقتضيات العصر.
وتحرير المرأة، على معنى تمكينها من أداء وظيفتها في الأسرة كأم، وفي المجتمع كعضو يقع عليه عبء تمليه طبيعته كأنثى ـ من مقتضيات العصر.
والدعوة إلى تعاون الزوجين، وإلى منع التعسف والتحكم القوي ضد الضعيف، وإلى البر، والتهذيب في معاملة كل منهما للآخر من مقتضيات العصر.
والدعوة إلى عدم إساءة استعمال الحق، في الجوار والمعاملة ـ وبالأخص بين الزوجين ـ من مقتضيات العصر.
لكن الدعوة إلى تحرير المرأة، على معنى أن تكون رجلا آخر في صورة امرأة، فذلك ليس من مقتضيات العصر، لأنه ضد طبيعة المرأة نفسها، وضد التطور الاجتماعي ذاته. إذ التآلف والتواد، والمحبة بين الأفراد التي هي نهاية التطور الاجتماعي، لا تحقق إلا إذا وقع انسجام بين الأفراد وتحول فيما بعد هذا الانسجام إلى تآلف، وتواد، وتحاب، والانسجام لا يكون بين متشابهين تماما. بل كلما كانت هناك مفارقة بين الطرفين، وكلما كان هناك خروج عن التشابه التام بينهما ـ كان ذلك أدعى إلى الانسجام بينهما. إذ عندئذ تكون حاجة كل منهما