تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك قصة القصيدة كما يرويها زميلنا التواتي وهو راو أمين عندما يكون الحديث عن نفسه لأنه يعيش بعيدا عن المؤثرات القريبة منه والبعيدة - كما يقول- فهو لم ينظمها في فاس فيتأثر أو يجتر، ولكنه نظمها في توات بعيدا عنها بعشرات الأميال ... وكل هذا في نظره يعطيه الحصانة من أن تحوم حول معلقته الظنون.

أن صدقا لا أحس به ? هو شيء يشبه الكذبا

الحقيقة الثالثة: أما في هذه الحقيقة الثالثة فإن التواتي يريد أن يسخر من شعري الذي لا يستحق - في رأيه- أن يعارض ولا أن يدرس ولا أن يقرأ ولا أن يجامل ولا أن يوثق بنسبه وليس لي مع هذا التجاهل الرخيص من حيلة إلا أن أرفع بالكلاليب أجفان الأعمى حتى يرى النور، وأضرب بالمقارع آذن الأصم حتى يسمع أصوات الشعراء تهدر من حوله، وله أن شاء بعد هذا العمى أن يتصور الليل نهار ناصع البياض والنهار ليلا حالك السواد، فلن يقوى تصور المريض يوما ما وهو فاسد سقيم على أن يحيل الليل إلى نهار مشرق ولا النهار إلى ليل حالك مظلم .. نعم كان علي أن أتناول القصيدة مقطعا مقطعا وبيتا بيتا ولكني - مع الأسف- لم أجد ما يغريني بالوقوف فتناولت منها ما آثار اهتمامي وتركت الباني لحكم التاريخ إشفاقا على نفسي وضنا بوقتي.

الحقيقة الرابعة: عندما تنكر زميلنا التواتي للقوميات والقوانين والدساتير وأعلن في شعره أنها خرافة من وضع عابدي الأوثان، كان كما أشرت في تعليقي متناقضا مع نفسه أبعد التناقض يقدس هذه القومية ويومن بها في حديثه الإذاعي (وهو ناثر) ويكفر بها مستهزئا عند ما ينقلب إلى إنسان شاعر، فيتسع قلبه للإيمان بالشيء والكفر به، وينطلق لسانه هناك مسبحا ممجدا، ويتعثر هنا جاحدا مشككا في صلاحيتها، ولكنه يكابر مرة أخرى ولا يعترف بهذا التهافت متعللا بأن الشاعر عندما يرتفع عن محيطه المحسوس إلى ما وراء المادة قد يتخطى حتى ما اصطلح على قداسته كل البشر، وهو تعليل بارد قد ينفع زميلنا لو أنه ارتفع به ما نظمه عن محيطه المحسوس وفقد فيه وعيه ونفسه في سبحات صوفية خالية مجنحة، ولكن التواتي لم يرتفع شبرا عن أرضه ولم يحلق مترا فوق برجه العاجي، ومع ذلك فهو يبيح لنفسه هذا الاضطراب والجموح لأنه يعتقد أن للإنسان منطقتين: منطقة العقل، ومنطقة القلب، فهو في منطقة القلب والعاطفة بعيد عن سلطان العقل ونفوذه وتدخلاته، حر في أن يقول للناس أن سماءهم أرض وأرضهم سماء، وأن قانونهم سخافة ودساتيرهم هراء وعذره في هذا الهديان أنه في منطقة القلب أنه بهذا يضع خطا فاصلا بين العقل والعاطفة ويفهم أن الشاعر في شعره العاطفي يصح له أن يتجرد كامل التجرد من عقله فلا يبقى لهذا العقل سلطان على عاطفته ليوجهها ويضبطها أو يكبح من جماحها وغلوائها، وهو فهم خاطئ يؤكد أن مفاهيم الأشياء اختلطت في ذهنه هولا في ذهني -كما يقول- أن منطقة العواطف المجردة عن العقل يا أخانا التواتي هي منطقة الحمقى والمأفوفين، فإذا صح لنا أن نعد عواطف هؤلاء التي تجردت عن توجيه العقل وقيادته شعرا أو كلاما له قيمة واعتبار، فلن نمانع قط في اعتبار ما قاله التواتي في منطقة قلبه المتجردة عن عقله شعرا وكلاما له وزن واعتبار، لقد فاتني - لسوء حظي- أن اعرف أن التواتي الواحد بالشخص له جهتان وهذا في نظره يرجع على جهلي بالأصول وعلم القليات التي حرمتني منها دراستي بالقسم الأدبي، ومادام الأخ التواتي لا يلتزم اللياقة الأدبية التي نعاها علينا في بداية هذا النقاش، فمن حقي أن اخبره بأني لا أغبطه على بضاعته في عقلياته وأصوله لأنه لم يستطع أن ينتفع بهما في هذا التعقيب.

الحقيقة الخامسة: يزعم زميلنا التواتي أنني أقحمت في تعليقي الحديث عن القومية العربية إقحاما لا مبرر له وهو زعم من لا يحتكم إلى أصول العقل. كيف لي أن أثير في تعليق بسيط قضية شغلت رؤوس العرب والمسلمين أحقابا طويلة لولا أن أخانا التواتي سخر بالقوميات والدساتير وكفر بها وبواضعيها لأنه كان في منطقة القلب كما يقول، ولكنه تنازل للتعقيب عليها رغم أنها طفيلية ومقحمة في وهمه ليقول لنا - بكل فخر- أنه لا يؤمن بفكرة القومية العربية لأنها في رأيه دعوة جاهلية ونعرة عصبية، ونزعة طائفية خير منها أن ندعو إلى وحدة إسلامية ينضوي تحتها المسلمون من كل جنس، والتواتي وهو يطرق قضية شائكة من أكبر القضايا عاطفي لا يريد أن يبارح منطقة القلب، ولو كان واقعيا يدرك ما في تحقيق وحدة إسلامية من عراقيل وصعوبات تحول دون أن ينصهر المسلمون جميعا في بوتقة واحدة لإدراك أن نجاح فكرة القومية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٢٢