الحلقات .. ثم ما هي هذه الحضارة التي شيدها الإنسان؟ أليست ميراثا تسلمه هذا الإنسان ممن سبقوه فاخذ يستثمره وينميه ليتركه لأجيال قادمة تمضي في تنميته إلى ما شاء الله؟ .. وهل استغنت في يوم ما هذه الثورات الفكرية والحضارات الإنسانية والمذاهب الأدبية والفلسفية عن أن تستضيء بإشعاع الماضي وتتخلص من رواسبه التي حملها الإنسان معه في مجاهل فكره وأغواره نفسه .. أن التواتي عندما ينعب غيره بالاجترار سيجد نفسه عاجزا عن إعطائنا شاعرا واحد لم يتفاعل مع الحاضر ولا مع الماضي فلم يجتر ولم يتأثر، أن اقرب أمراء الشعر إلينا في عصر النهضة هو أحمد شوقي، الذي ترسم المتنبي في حكمه وأبا تمام في متانته ومعانيه وأبا نواس في خمرياته وأبن زيدون في عاطفياته والوشاح الأندلسي في موشحاته، فهل كابر أحد في عبقريته وشاعريته؟ وهل نال من شاعريته أنه اجتر أساليب القدماء واحتدي مناهجهم في الصياغة والأداء؟ وهل ينتظر من التاريخ يوما أن يغير رأيه في شوقي لان زميلنا التواتي هنا ينظر إليه - كغيره ممن يبقى على اتصال وإخلاص للماضي - شاعرا مجترا يلوك ما لاكه الألون؟
ومن المضحكات أن يؤكد لنا التواتي أنه شعبي لحما ودما ونزعة ومذهبا وميولا وهو الارستقراطي الذي لا يقرأ إنتاجا غير إنتاجه ولا يسمع إذنه صوتا غير صوته، أنه مغرم بهذه الشعبية في كل شيء يمارسه في الحياة - حتى في تفكيره- أما في شعره فهو يختار الانعزالية ويضرب على نفسه نطاقا من حديد، حتى لا يخضع لأحد من قريب أو بعيد، وهو بهذا يحاول أن يخدعنا ويخدع نفسه بأنه لم يتأثر بأحد ولم يجتر كما نفعل نحن، وليست هناك عوامل خارجية تغذي شاعريته وتهز عاطفته وإنما هي عصامية أصلية، وموهبة تواتية نبيلة وتبارك الله مبدع العبقريات وصانع المعجزات.
وعندما يلجأ زميلنا إلى التغليط يتحدث لنا عن الأحاسيس الإنسانية وإنها قاسم مشترك بين أفرادها، يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال الأخر، ويطرق هذا موضوعا قد يكون طرقه غيره من الناس، يهمس بهذا في إذن وكأنما يهمس بسر، ويحدث به كما لو كان يتقدم للقارئ بشيء جديد وهو لا يجهل أنني عندما فتحت معه هذا النقاش لم أفتحه لأني احتكر الشعر لنفسي أو أدعي الإمارة فيه، ولا لمجرد أنه طرق موضوعا قد طرقته فأنا أعلم - كما يعلم الناس- أن تناول الأحداث والتيارات والتفاعل معها حق مشاع بين أفراد البشرية على السواء - وأنا عندما انتقدته لم أفعل إلا وأنا افرق بين الاشتراك والتواطؤ في الفكرة والموضوع وبين التواطؤ في الصياغة وطريقة الأداء ...
إننا جميعا نحيا عصرا طغت فيه الأنانية والخوف والقلق، فمن حق التواتي أن يعيش هذه التجربة وأن يعيش هذه التجربة وأن وفكرة عشنا جميعا تجربتها فليس له مجال أن يتواطأ معي في الصياغة وطريقة الأداء وفي القوالب التي اخترتها والقيم التعبيرية التي فضلتها.
أن أي شاعرين متعاصرين يتواردان على موضوع واحد، ويعالجانه بأسلوب واحد، وفي بحر وروى واحد، ويتعاقبان على صياغة حرفية واحدة لن يثبت واحد منهما أمام موازين النقد الصحيحة قديمها وحديثها، ولن يكون هذا الواحد بالطبع إلا اللاحق منهما ..
الحقيقة الثانية: وثانية الحقائق التي أوردها الأخ في تعقيبه تتحدث عن ميلاد قصيدته وقصة حياتها التي بدأت كما يقول - في توات سنة 1659، ففي توات بلد النخيل رأي أول بيت منها النور عندما أرغمه الحاكم على الكفر بالجنسية المغربية التي لم يكفر بها التواتي يوما ما .. وفي غمرة الحرب الجزائرية عادت إليه صورة الحاكم القائمة (الجاهمة)، وهنا استسمح الأخ أولا لأصلح له كلمة الجاهمة وأعرفه بتعريبها الصحيح فإن العرب لم تعرف الجاهم، وإنما قالت الجهم كما نطقت به الخنساء:
جهم جميل المحيا كامل ورع
وللحروب غداة الروع مسعار
وهكذا ترى يا أخانا التواتي أن الاجترار قد أفادنا وعصم ألسنتنا وأقدرنا على إصلاح لغة الآخرين الذين لا يجترون.
ويعود الفضل في أخذ قصيدته صورتها النهائية، وتعديلها، وإدخال الماكياج عليها، وتطعيمها إلى حرب الجزائر.