وهو يبدي استخفافه وعدم اهتمامه بالمحاولات الأدبية التي ما تزال تتلمس طريقها وتكافح من أجل خلق أدب هادف أن لا ينسى تقييم إنتاجه المغربي، وأن لا يحرمنا من إبداء رأيه في شعره وهو يقسو في أحكامه على الآخرين .. أنه لا يعجب كما يقول بأحد إعجابه بالأخوين الطنجاوي والصباغ لأنهما مدرسة قائمة تستجيب لتطورات الحياة وسنة التجديد، ومن المدهش أن يعلن إعجابه بهما وتقديره لشاعريتهما، وهو لم يتنازل قط ليقرأ إنتاجا مغربيا مكتفيا في هذا الإعجاب بالسماع والأصداء - ومع أن الحكم لشاعر ما والإعجاب به لا يكون حكما مأمون النتائج إذا اكتفى فيه بالسماع العابر والأصداء المرجعة، فإن الذي نعرفه هو أن الطنجاوي والصباغ يقرءان ولا يسمعان فلم أذكر قط أني استمعت لواحد منهما إنتاجا إذاعيا، على وفرة إنتاجهما بينما قرأت وقرأ لهما الناس الكثير.
ولعل ما اعتمده التواتي في هذا الإعجاب والإطراء - والذي اعتقد أن الآخرين في غنى عنه وليسا في حاجة إليه- وهو أن الحلوي يعيش على أنقاض القديم ويجتر- في وهمه- ما قاله الأولون وهو ما لا يفعله هو بالطبع أو يفعله الصباغ إذا كانت من وراء الأبراج العاجية التي اعتاد الحياة فيها أخونا التواتي .. أنه بالطبع لا يقرأ شعري لأنه إنتاج مغربي كما اخذ على نفسه، ومع ذلك فهو لا يخجل من أن يعلن رأيه فيه بهذه البساطة متجاهلا نتائج أحكامه الفطيرة المرتجلة .. أن الصباغ الذي نحترمه جميعا ونقدره يمثل في المغرب المدرسة الحديثة في الشعر ما في ذلك من شك، أما الحلوي فأحد الذين ينتمون إلى المدرسة القديمة بكل خصائصها وسماتها تغذت شاعريته من منابعها وعاش طويلا مع أقطابها فتأثر بالأصالة العربية إلى حد كبير .. وأن زميلنا التواتي بعد هذا لن يستطيع أن يزعم لنفسه أو للناس أنه من مدرسة الصباغ لأن الواقع سيكذبه ولن يرضى أن ينتمي إلى المدرسة القديمة التي انتمى إليها أنا لان أصحابها في رأيه يلوكون ويجترون ويعيشون على أصداء الماضي البعيد، فماذا بغي لأخينا التواتي؟ وبماذا احتفظ به هو لنفسه؟ .. أن حالي معه كذلك الذي أراد أن يعرف مكانة صديقة الشاعر يوم قال له: أن الشعراء في الدنيا ثلاثة: شاعر وشويعر وعاض بضرامه فمن أي الثلاثة أنت؟ فأجابه ذاك الصديق: الشاعر امرؤ القيس أما أنا فشويعر، واقتسم أنت وغيرك الباقي.
ثم ما هو هذا الاجترار الذي يحاول زميلنا التواتي أن يلمزنا به؟ أنه عند ذوات الأربع مضغ جديد ومحكم لما ملأت به بطونها من قبل، فهي عملية إعادة بغيرها لا تستحيل الأعشاب إلى غذاء نافع.
أما عندما يصف إنسان آخر بالاجترار فإنما يقصد من ذلك أنه لا ينفق مما عنده، وإنما هو طبعة ثانية للآخرين يحادي أساليبهم ويعيد أفكارهم ويرتسم في عمله خطاهم، هذا هو الاجترار الذي توخي التواتي أن ينعتنا به عندما أراد أن يعلن رأيه المحترم فينا، وأنا أبرا من هذا الاجترار لأنه محاكاة عمياء وأمعية ممقوتة ووثنية متنكرة .. وللتواتي العذر في إساءة الظن بي لأنه لم يتنازل من عليائه يوما ليقرأ لي ما أعجب به الكثير ممن لهم رأي ومكانة عالمية في الأدب ولو أنه قرأ هذه القصائد: غرب، سابحة سافرة، صرخة الجزائر، أبو الثلج، من وحي القرية، يوم أبصرتها، ذكرى القرويين، مرثية محمد الخامس، وغيرها كثير لكان له رأي آخر ... أن الاجترار الذي أومن به شيء آخر غير هذا، أنه امتداد الماضي القديم إلى الحاضر الجديد، وارتواء هذا الجديد من منابع القديم الصافية.
أن الحفاظ على أسلوب الأدب الأصيل والصياغة الفنية الرفيعة مع مسايرة مفاهيم الشعر الحديث لا يمكن بحال أن يعد اجترارا، أنه أمداد الأدب بروافد أصيلة وإعداده للبقاء والخلود، وهو بهذا المعنى ضروري لحياة أمة تحرص على ماضيها الذي أصبح ذرة من كيانها، فابتعادها عن استيحاء معاني الخير والجمال والقوة من هذا الماضي لن يكون إلا تخليا عنه وعقوقا منها وتنكرا.
أن تسلسل التيارات الفكرية عند الإنسان، هذه التيارات التي كانت انطلاقتها الأولى من عهد الإنسان الأول لدليل على أن التلاقح الفكري عبر القرون والأجيال لم يكن إلا اجترار الإنسان ما اهتدى إليه أخوه الإنسان، وأن وحدة المشاعر عند بني الإنسان التي أكدها الأدب المقارن وتهافتهم على المعاني الواحدة لدليل على أن البشرية جمعاء تعيش في دوامة وتخضع في تطورها وتفكيرها لعملية اجترار متصلة