تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /دجمبر 1961 .................... ص 83

مناقشات: حول قصيدة إننا أخوان؛ عود على بدء

للأستاذ: محمد الحلوي

الحقائق الخمس:

لست نادما على هذه المناقشة التي أثرت بها حفيظة زميلنا التواتي، ولست راغبا في أن تتحول المناقشة حول قصيدة فقط إلى مهارشة بذيئة لا تفيد القارئ ولا تحترم الأدب إذ ليس بين النقد الموضوعي النزيه المركز وبين المهاترات الحمقاء التي تختلف معها الحقائق ويلبس فيها الباطل لباس الحق إلا خيط رفيع يجب الحفاظ عليه لأنه حمام الأمن وملاك السلام .. وقد أثرت هذه المناقشة وأنا لا أهدف منها إلا لبعث نشاط فكري تحدوني فيه الرغبة إلى كشف اللثام عن الحقيقة في حدود الحكمة والاحتكام إلى المنطق، فبذلت الجهد في أن أكون موضوعيا، وركزت اهتمامي كله في الجوانب التي تعنيني في هذا النقاش بعيدا عن كل ما يثير زميلنا التواتي ويخرجه عن وداعته واتزانه، ولكنه على الرغم من التزامي ما يلزم في مخاطبة إنسان مثله فقد ثار وافلت من يده الزمام، ومرد هذا إلى أنه قوي الحساسية مرهف الشعور والشاعرية تدغدغه الكلمات وأن بلغت الغاية في اللطف، وتهيجه متى أحس فيها قليلا من العنف، فليسمح لي إذا كنت قد أثرته - عن غير قصد- وحدت في نقاشه عن المجاملة واللياقة الأدبية فأنا أفهم أن المجاملة إذا تعدت حدودها أصبحت مغازلة.

لقد ذهب زميلنا التواتي للدفاع أو التعقيب عندما رأى شاعريته توضع في قفص الاتهام فكيف كان معنا في هذا النقاش؟ هل التزم فيه جانب الأدب واللياقة التي نعاها علينا؟ وهل أعطى حقا لما كتبه صبغة جدية والتزم فيه الصدق والإقناع؟ ذلك ما لم يتقيد به الأخ التواتي وهو يكتب تعقيبه بأسلوب خطابي محموم وفي غمرة انفعال وهياج ونفس ثائر، وليس أضر على العلم والأدب من هذا الأسلوب الذي تضيع فيه الحقائق وتطغى فيه العاطفة على العقل والمنطق - ويعتمد فيه التنطع والالتواء .. وإذا كان الأسلوب الخطابي أداة لإثارة المشاعر وإلهاب الحماس في الجماهير وفي الميدان، وفي مجالس القضاء فهو أيضا أداة للتمويه والتضليل وتغطية للحقيقة التي لا تنكشف بحال إلا باصطناع أسلوب النقاش الهادئ المتبصر.

الحقيقة الأولى: والحقيقة الأولى التي يومن بها التواتي ويعتمدها كسلاح في هذا التعقيب المتحمس، هي أنه لم يقرأ من بداية حياته إلى نهايتها إنتاجا مغربيا إلا ما تفيض به على الناس قريحته السخية، وإلا ما يرسله إليهم من داخل برجه العاجي من نفحات شعرية فواحة .. ومن محنة الأدب والشعر في هذا البلد أن يتصرف عن قراءته ومتابعة تطوراته حتى الذين يضعون أسماءهم وأنفسهم بين الشعراء ويخوضون في الحديث عن مدارسه واتجاهاته وأن من السخافة أن يدافع المرء عن نفسه ويرد كما ردها يوما بسواته عمور.

لقد خصصت (دعوة الحق) عددا خاصا لدراسة الأزمة الفكرية في بلدنا والتعرف على أسبابها، وقد فات كثيرا ممن تناولوا أسبابها الكثيرة بالشرح والتحليل أن يذكروا منها الأنانية المغرورة التي تعمي عن كل ما حولها ولا ترى غير ذاتها شيئا جديرا بالاعتبار والالتفات، أن الشاعر الذي ينتج ويصدر للناس وينتظر منهم أن يقرأوه ثم لا يتنازل هو لقراءة الآخرين لأنها في نظره ترهات وسخافات أنما هو واحد من اثنين: مغرور يضع نفسه فوق الجميع ويرى إنتاجه في الدنيا كل شيء، أو متعام لا يطبق رؤية النور المتراقص من حوله فهو يعمي عينه عنه حتى لا يرى ويصم أذنه حتى لا يسمع، وقد كان على التواتي،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٩