حاجة إلى من يدفع إلى أعلى أو ذي جاه يتوسط أو ذي سلطة يزكي لأصبح من المحظوظين وأفوز فوزا لا يهم به من سلخ من عمره عشرين سنة يموت ويحيى من أجل الثقافة والعلم .. ذلك هو الواقع الحقيقي لمجتمعنا وذلك هو السبب الخفي لقلة الإقبال من الشباب المثقف على الكتاب وذلك هو الدافع لقلة الإنتاج وانطفاء النبوغ وضياع العبقريات، وقد أصبحنا بحكم هذا الواقع ندور جميعا في فلك الدينار والدرهم لا نؤلف إلا من أجله ولا نقرأ إلا من أجله، ولا ننشر أو نبيع إلا من أحله، بل ولا نحيي إلا من أجله.
وبعد فهل لهذا الواقع من إصلاح؟ وهل لأوضاعنا من علاج .. ذلك ما نأمل وعسى أن يكون للكتاب العربي النصيب الأوفر في تحقيق ذلك التغيير الجذري لحياتنا النائمة، وإن كانت المهمة مزدوجة والمسؤولية مشتركة يتحملها المؤلف والناشر والموزع والحاكم إنهم جميعا مسئولون، وعليهم واجبات نحو المجتمع العربي وتجاه الثقافة العربية، ولو أدى كل واحد منهم رسالته وقام بمهمته لأصبح الكتاب العربي سيد الموقف وأستاذ الشعب ومربي الأمة .. ورغم اختلاف المهمة المنوطة بكل واحد فإن الغية مشتركة هي خدمة هذا الشعب والعمل على رقيه وازدهاره .. وهذه المهمات فيما اعتقد ملقاة:
أولا - على الناشرين الذين لا ينبغي لهم أن يتخذوا من رسالتهم تجارة مادية فقط تدفع بهم إلى تملق سطحية الشعب وغرائزه بل هم أصحاب رسالة لا تتسامح مع الإنتاج الذي يفسد الشعب أو يلهيه ولو كان محقق الرواج ومدار للربح الوفير وليعلموا أن المؤلف العربي عندما يجد ناشرا واعيا لمسؤولياته القومية سيراعي المستوى اللائق وسيبذل الجهد مع الناشر ليكون الإنتاج محترما هادفا لمصلحة المجتمع.
ثانيا- وعلى الموزعين وأصحاب الوكالات الذين بيدهم كل شيء والمحتكرون لكل إنتاج والذين يلزمهم الواجب القومي إلا يستغلوا الإنتاج العربي وجهود الناشرين وأتعاب المؤلفين للإثراء الفاحش والربح المضاعف على حساب ثقافة المواطن العربي الذي يبعد عن موارد الثقافة بسبب الأطماع والاستغلال ..
وأخيرا على الحكومات إلا تقف مكتوفة الأيدي بل عليها أن تتخذ جميع الوسائل لتسهيل تداول الكتاب العربي بأن تلغي الضرائب نهائيا على الإنتاج الفكري وعلى مواده الخام التي يقدم فيها .. وأن تخفف من أجور المواصلات وأن تعمل بجد لتحديد نسبة مئوية لا تتعدى خمسة في المائة للأرباح التي يحق للموزع والبائع أن يتقاضاها، وبعد هذه الخطوات الصادقة سيفرض الكتاب العربي نفسه وسيقرع الأبواب ويدخل البيوت وسيجد الإنتاج القيم الرفيع ترحيبا من القارئ العربي في كل مكان وفي ذلك الوقت نستطيع أن نؤكد على وسائل الإشهار والتعريف لان المستهلك حينئذ يصبح قادرا على الاستهلاك أما الآن فإنه عاجز وعاجز حتى على خبزه.
م. ز