تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ندعوهم إلى المشاركة جميعا في نقل الدماء الحارة السليمة الحية إلى هيكلها الذي أنهكته الأيام وأضعفته المحن، والمسؤولية في بعث هذه اللغة ليست مسؤولية دول وحكومات فقط، إنها مسؤولية يتحملها الجميع وخصوصا المجامع اللغوية التي يجب أن تعمل على نقل التراث العالمي الذي يفيدنا، وينمي مداركنا ويساعد على تفاعلنا مع الحضارة العالمية، وإلا تقتصر على ترجمة المصطلحات العلمية وتسويق كلمات محنطة لا رواج لها .. ثم على أطبائنا ومهندسينا وعلمائنا الذين زاوجوا بين الثقافات عليهم أن يخرجوا من عزلتهم وأن يقدروا رسالتهم وواجبهم الوطني الذي يدعوهم ليكونوا همزة وصل تربطنا بالأمم الحية والحضارات الراقية، ومن العار على أبناء هذا الشعب هذا الشعب الذي أرسلهم ليعودوا إليه مثقفين، فما رجع أكثرهم إلا جباة مرتزقة لا يعرفون إلا النهب والسلب وجمع الدنانير، ولا يحسنون إلا الكسل والخمول أما الإنتاج والتأليف، وأما الإسهام في تطوير أمتهم وتطعيم لغتهم فذلك ما لا يفعلون، وما دمنا كذلك فلا الفصحى تؤخر، ولا العامية تقدم، وإنما هي أوهام نتلهى بها عن واقعنا المر، وإلى أن ندرك واقعنا ونعمل بصدق من أجل رقينا وازدهارنا سنتأكد من أن اللغة تخلقها الشعوب ولا تخلق الشعوب وتحييها العقول ولا تحيي العقول، وعندئذ سنجد في لغتنا معنى، وسنلمس فيها حياة وسحرا.

وفي لبنان: مولود جديد:

لأول مرة في تاريخ العروبة يولد اتحاد عام للناشرين العرب في أرض لبنان وتحت سمائها الجميلة وبين أحضان طبيعتها الخلابة، ونحن إذ نهنئ أنفسنا ونهنئ إخواننا الناشرين ونتمنى لهم كامل التوفيق في أداء مهمتهم الإنسانية، نتقدم بالشكر لجامعتنا العربية التي دعت إلى عقد هذه الحلقة لدراسة وسائل النشر للإنتاج العربي، وتيسير تداول الكتاب العربي، فهيأت بذلك فرصة تدارس فيها المجتمعون هذه الوسائل، وتعرفوا فيها على العقبات والصعوبات التي تقف في وجه الكتاب العربي وعلى الإجحاف الذي يلقاه المؤلف والناشر والقارئ ثم أصدروا أخيرا توصيات - على العادة- نرجو ألا تكون كمثيلاتها المهملات، لأننا نؤمن بأنها توصيات لو نفذها المسئولون لأدت للفكر العربي خدمات جلي ولساعدت أبناء هذا الوطن الكبير على استكمال غذائه العقلي، هذا الغذاء الذي حرم منه وأجبرته الظروف القاسية على تحمل هذا الحرمان - ولعل أخواننا المجتمعين لو أنصفوا المستهلك العربي أما اتخذوا من ضعف وسائل التعريف بالكتب وقلة الإعلان عنها والتشهير بها سببا رئيسيا لما لاحظوه من قلة الإقبال حتى من المتعلمين على القراءة، ونحن معهم في أن هذه الوسائل الضرورية في عصرنا تكاد تكون معدومة ولكن رغم ذلك فالمواطن العربي يعيش في مستوى يجعله لا يحتاج إلى أن يعرف، بالكتب ونقدم إليه التأليف حاجته إلى من يأخذ بيده ليصل إلى هذا المعلن عليه، أنه في حاجة على من يتعرف على الأسباب الحقيقة في جفائه للكتاب العربي هذه الأسباب التي من أهمها فيما نرى:

1) السبب المادي - ونقولها بصراحة أنه لا يوجد في الدنيا شعب يتاجر في غذائه الروحي من غير حماية ولا مراقبة كالشعب العربي، وخصوصا نحن أبناء هذا الشمال الذين ابتلينا بالأسعار المضاعفة في كل شيء ولذلك نجد الدخل الفردي لا يساعد المواطن على الشراء، أنه دخل لا يكفيه - وهو الموظف المثقف- حتى في معاشه كحيوان، لا كانسان متمدن لان الإنسان المتمدن يعتبر الثقافة من ضروريات الحياة ولذلك استطاع أن يفرضها على ميزانيته كفرد، وأن تقرأ التشريعات الاقتصادية لها الحساب وأن تعمل الدول على تمكين المواطنين منها ... أما نحن فلا نزال في طور الكفاح من أجل الخبز حتى نعيش ولا يمكن لجائع بئيس أن يفكر في الكتاب ليستنير ويحيي ويتقدم.

وهناك سبب أخر نفسي وهو في واقعه مهم جدا: ذلك أن الطالب العربي في مراحل حياته لا يجد تقديرا ولا احتراما في مجتمعه للثقافة في عناوينها، أنه لا يرى احتراما للمعلم ولا يجد تقديرا للأستاذ ولا يلمس تشجيعا للأدباء والمؤلفين، انه لا يشاهد في مسرح الحياة إلا إلها واحدا يعبده المجتمع، وتدور معه القيم وجودا وعدما وهو المال والمال فقط، فلا الثقافة تفيد ولا التأليف يجدي فاصنع ما شئت وأكتب ما شئت وتثقف بما شئت فلن تكلون إلا عبدا لمعبود قومك، وإذا فلماذا المطالعة ولم القراءة؟ لقد فزنا بالشهادة مفتاح الرزق الضنك، وبلغنا إلى الوظيفة فرفع من رفع وخفض من خفض فما رأينا في الرفع والخفض إلا ميزانا واحدا ميزان المال والجاه والحسب والنسب، أما الكفاءة والثقافة فإلى حيث ألقت .. ولو سألت متسلقا للسلم الإداري أو مرتبطا بسلاسل (لانديس) أي أمنية ترجو لأجابك بالواقع الأليم أنا في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٧