تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 80

الحياة الثقافية في الوطن العربي

في أرض الكنانة: بين العامية والفصحى

قصة لغة الضاد مع أبنائها قصة طويلة ترجع في خيوطها الأولى إلى السموم التي طعم بها الاستعمار عقول بعض المثقفين منا، فجعلهم أداة ليصل بهم إلى ما عجز عنه، وغرس فيهم من كيده للعربية ما دفع بهم أو بالكثير منهم ومن غير شعور إلى أن يطعنوا هذه اللغة وأن يحاولوا جهدهم القضاء عليها، وأن يشككوا الشعب العربي في لغته وقدرتها على التطور وإمكانياتها في مجاراة مقتضيات هذا العصر ولذلك يرمونها تارة بالجمود والموت وطورا بالعقم والجفاف، وكان لغات العالم وجدت حية وخلقت متطورة، وكان أبناء هذه اللغات استطاعوا أن يصنعوا ما يصنعوه بفضل لغاتهم فقط، وكان هذه اللغات هي التي أخذت بيد أبنائها فدلتهم على الرقي والتمدن، أنه لمنطق عجيب والله، وأعجب منه أن تطعن العربية باسم الغيرة عليها، وأن ترتفع الأصوات في مصر وفي غير مصر داعية إلى التخلص من هذه اللغة الفصحى التي هي السبب - فيما يزعمون- لتأخرنا الفكري، وتلك نغمة ألفناها من قبل حين نظمت الحملات على الإسلام باسم التمدن والحضارة واعتبره المغرضون والمأجورون هو العقبة التي ثقف في طريق التمدن العربي والانطلاق الحضاري.

ومن المؤلم أن نجد كاتبا عربيا كالدكتور إبراهيم أنيس يدعونا في كتابه مستقبل اللغة العربية، ومن غير أن يتقي الله في أكبر رابط يربط هذه الشعوب في الوطن العربي الكبير من الخليج إلى المحيط، ويدعونا بحماسة لنتخذ اللهجة القاهرية لغة للأمة العربية بدلا من هذه اللغة الفصحى التي أضعفتها منافسة العامية فأصبحت لا تستطيع أن تستجيب لعوامل الازدهار. فاللهجة القاهرية لا لهجة مصرية وكم فيها من لهجات هي الحل الذي يراه الدكتور لثنائية اللغة العربية، ويوغل الأستاذ توفيق حنا في الجدية فيعرض مشروعا ليطبق وينفذ في المجال الفعلي فيقترح أن نسارع إلى تعليم اللهجة العامية في السنوات الأربع من التعليم الابتدائي حتى لا يصدم الطلاب بالفصحى وهي اللغة البعيدة عن حياتهم، وأخيرا نجد الأستاذ جلال مصري يعتمد على الأغلبية فيصدر حكما ديمقراطيا فلا شك تصبح بمقتضاه اللغة الشعبية أو العامية هي اقصر الطرق التي توصل إلى العقل .. ونحن لو كنا منصفين لأنفسنا ولغتنا وجدنا داعيا أو سببا يحملنا لنتهم لغتنا الفصحى بحجة الثنائية فأي أمة في الدنيا لا تملك لغتين: لغة سوقية يومية لا قواعد لها ولا أصول، تستعملها في حياتها المعاشية وغلى جانب هذه اللغة الشعبية هناك لغة راقية فنية ذات قوانين وقواعد ومصطلحات لا يستطيع الشعب أن يملك زمامها أو يسخرها كما يشاء إنها لغة ليست كالأولى، وإلا لأصبح كل فرنسي وكل انجليزي مثلا يستطيع أن يفهم إنتاج فولتير وشكسبير ولأصبح كل فرد من الشعب قادرا على أن ينتج الأدب الرفيع ويتصرف باللغة الفنية كيف يشاء ثم بعد ذلك ماذا يريد دعاة العامية؟ أيريدون أن نرمي بتراثنا وحضارتنا وأن نبدأ من جديد بتثقيف أنفسنا بلهجة من اللهجات المرشحة كالقاهرية مثلا وهم أنفسهم يدركون أن القاهري حين يذهب إلى الصعيد لا يفهم ولا يكاد يفهم، ودعنا نجاري هؤلاء المصلحين فنستعيض بلهجة من لهجاتنا من اللغة الفصيحة ونتخذ مثلا لهجة مصر لغة رسمية، فهل نقضي بذلك على مشكلة الثنائية في البلاد العربية؟ أم هل تستطيع هذه اللغة الجديدة أن تغزو اللهجات الأخرى فتصبح لنا لغة واحدة يكتب بها الأديب ويؤلف بها العالم ويتكلم بها رجل الشارع؟ لست أدري أيتحقق ذلك وأن كنت أومن كما يومنون بأنه مخالف لسنن الكون ونواميس الشعوب ..

فالحل إذن ليس فيما يدعون من نبذ هذه اللغة واختيار لهجة من لهجاتنا والتي ستصبح - لو قدر للعملية أن تنجح- متهمة بالجمود والموت والعجز، وإنما الحل الصحيح في أنفسنا أولا، ولكن رغم ذلك تدعو المخلصين جميعا إلى العمل الجدي - لا إلى المؤتمرات والتوصيات- ندعوهم إلى تطعيم هذه اللغة الخالدة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٦