ومهما يكن من أمر، فالفهم الصحيح ليس هو أن تكتسب بعض الأفكار السهلة عن الفن، بل أن نتعمقه ويتعمقنا، فيجب الرجوع إذن، مرات متعددة، إلى بعض المشاكل الرئيسية، مع تسلح كامل بالتجربة الأصلية: فإذا كانت الخطوط المتناسقة لطريق من الطرق تظهر وكأنها ترجع على نفسها، فهي تسمح للإنسان أن ينظر في مشهد كبير ما قربه إليه فهمه الخاص، فيحله في النهاية في محله، حيث يأخذ مكانه الحقيقي.
فالفن كما يظهر لنا غير منفصل عن الإنسان، فهو قد وجد في نفس اليوم الذي وجد فيه الإنسان، والفن أيضا لم يتطور إلا في الفترات التي كان الإنسان فيها لا يفهمه، ولا يسأل عن كيفيته، ولا يشك على الأقل حتى في وجوده.
وعلى العكس من ذلك، فالفن لم يكن مهما ومحيرا في الآن عينه، إلا في عصرنا هذا، بل لم يكن أوسع انتشارا وأكثر الفنون إمتاعا إلا في هذا العصر، ولكنه رغم هذا، لم يكن قد حلل وشرح بالشكل الوافي.
إن الفن بصفة عامة، والرسم منه بصفة خاصة، يستغل الدور الأول الذي تعلبه الصور في حضارتنا.
وبهذا الواقع وحده، بأسبابه ونتائجه ونظرياته التي يعيش عليها عصرنا، وجد تحديد لقوة الفن الساحرة، فلم يعد إلا أداة لوضع الصيغ النهائية للأفكار، وإذن، فعصرنا هذا، يمدنا بالمادة الخام، التي هي التجارب، ويمليها على الفن، وهو يجعل الآفاق تتفتح أمامها.