تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا اشرنا إلى هذا الواجب، فنذكر أنه يستطيع أن يرجع التردد الثابت للفكر إلى إخلاص. إن الفترة التي نعيشها - فترة الرسم المعاصر- لا تتفاعل مع فكرنا، إذ أن لها انحرافاتها الذهنية، فليس مما يحط من قيمة الفكرة أن نتأكد من أنها مبررة ببراعة اكتشافها فقط، إذ يمكن أن نستغني عن كل شيء خطير غيرها، أما الذكاء - ذكاء المعاصرين- فهو شبيه إلى حد بعيد بعامل منجم، يحفر منجمه في كل مكان، ولا يشترط إلا أن يستفيد من عمله هذا، ولكنه لا يفكر قطعا في أن يجعل ذكاءه موجها لأفكاره وهكذا تتحول إلى لعبة، ما دام ينسى مسؤولياته، إن الكلمات التي تحملت منذ القديم عبء التعبير عن الفكر، تتنازل الآن عن مكانها للحيرة والتردد، وحتى الأفكار نفسها لا تستطيع أن تنتج غير احتمالات جدلية، بعد أن كانت مهمتها الرائعة، أن تترجم بوضوح تلك الظلمة التي تكمن فينا، وتشعرنا بثقلها.

وعلى كل حال، لا يمكن أن تكون الفكرة - أية فكرة - مبررة، وذلك بمجرد أننا عرفنا كيف ندركها. فالدماغ ليس مسئولا أن يسيلها على الواقع، كما يسيل حامض على قطعة طباشير، وذلك من أجل أن نحصل على فقاعات صغيرة وجدت للتعفن والهدم، فهي ليست إشارات رشيقة لآلية ذهنية، لأنها قبل شيء، يجب أن تلاحظ منابعها وخطواتها، حين تندمج في الشيء الذي يميز ويوضح.

وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نقول: أن الفن قد صار الآن من أهم الأشياء الصالحة لعصرنا، إنه مبني على تأويلات في خضم نموه الكثيف السريع: هذه التأويلات تعوقه بتلك الثغرات المجنونة التي تتركها فيه، بدون أمل في إصلاحها، هذه الثغرات تنحصر في أن الفن، لا يجب عليه أن يهتم بغير التناسل والنمو والاستمرارية.

إن الحاجة تفرض علينا أن نطبق الفكرة على الفن مرة أخرى، لنحاول أن ننظر بوضوح إلى هذه الظلمة، لنجد اتصالا وثيقا مع حقائق مرهونة بأشياء، إذن، فالشيء الذي يكون مهما في هذه المادة، هو: (الأعمال الفنية).

ولهذا فأنا لا أطمع أن ابرز هذه الحقائق، واستغلها بمذهبية، لا جعل منها مبادئ مسبقة، إذ إنها تكمن في كونها تحيط بالواقع الفني في إذعان وخضوع، حيث تحيله إلى وضوح لم يفسر ولم يشرح، إنها بصفة نهائية، ومن أجل هذا يجب أن نضمن للرسم ميدانا محدودا، فهو حيث الصورة الواحدة تنثر الآلاف من الصور من منابعها، يظهر أنه أكثر الأنواع الفنية تلقيحا وإنتاجا، وهكذا، فمن خلال الرسم، ما أبدع منه أمس، وما يبدع منه اليوم، يجري التحقيق في طبيعة العمل الفني على علة وجوده، وعلى قوته التعبيرية.

وفي بحثنا عن عالم المظاهر، نجد أن الرسم يوجه إليه سؤالا، ولكن بالشكل الذي يسوغ له، فيترجم عن جوابه، وأحيانا يمليه عليه. وهكذا يندمج في حوار عالم المظاهر هذا مع المرئي بسبب الرسم، وأحيانا، فالرسام الذي يكاد يصيبه الصمم، يعمى عن أن يسمع ويسجل ما يسمع: فنسميه واقعيا .. وأحيانا أخرى يجلجل بصوته، حتى يغلف صوت الأشياء: وهذا ما يمكن أن نقول عنه: أنه محاولة لرسامينا المعاصرين.

ومن خلال القرون وآلاف السنين، تتابع الحوار بلغة وأجوبة دائمة الجدة، حيث يتحدث الرسم في آن واحد، مع العالم ومعنا، من غير أن يتدخل في هذا الحوار ثالث.

إننا سنظهر الخطوط العريضة لفلسفة الفن فقط، وليس لدينا الحق في أن ندعي أننا إذا قبلنا عن طيب خاطر مشقة بحث مقنع منهجي، فإننا نحصل من وراء ذلك على مظاهر مختلفة، وربما متناقضة، حسب نظام تطوري مستمر، حيث أن النسبة النهائية تسمح لنا بالحصول على فكرة عامة عن الموضوع.

وهذه الفكرة، لا يمكن أن تتلخص في اصطلاح أو في آخر، اقترح بهذه المناسبة، بل تؤخذ من المجموع، ليمكن إيجاد تحديد رزين هادئ، وليس هذا عملا نهائيا ولا تلخيصا لعمل مجزئ قمت به خلال عشرين سنة، وذلك بمختلف المحاضرات والدروس التي ألقيتها، وإنما هو شيء غير ذلك، ولكن، هل يمكن الاعتقاد بأنه من الواجب إعطاء فكرة عن هذا العمل؟ فكرة فقدت كل جدتها لدرجة أننا نجدها مشروحة في كل مكان، وهل من المهم أن تظهر فكرة ما بمظهر مبتذل أو بديع، لتعطي تحديدا للفن، أم أن كل فكرة تعين على فهمه في اختلافاته الواسعة، هي التي تصلح أن تكون دليلنا؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٤