تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 77

آفاق فنية: مدخل إلى فهم الفن

لروني هوايغ

ترجمه بتصرف الأستاذ: محمد السرغيني

(*) لماذا نكتب أيضا عن الفن؟ بل لماذا نكتب عن الفن إطلاقا؟ ألسنا قد حللنا منه الكثير، وفسرنا ما يجب ببساطة أن ينظر بالعين، لا أن يفسر ويحلل، فهو مخلوق لأن يشاهد فقط، إن العين ما عليها إلا أن تحلل ما ترى إلى كلمات، أما اللوحة، فمن شأنها أنها تزود فكرنا بالنظريات.

نعم، فإذا كان الإنسان يعرف كيف يرى بعينيه، لا بعاداته وميوله و معتقداته، فإنه لا يرى إلا ما اعتاد النظر إليه، كما لا يسمع إلا صدى أفكاره الأصلية. فالكل بالنسبة إليه كمرآة لا يجد فيها وجهه الحقيقي فقط، - إذا كان يعرف هذا الوجه- بل حتى الأشياء التي يفترضها ويتمناها.

وماذا يقال عن الإنسان المتحضر؟ المثقف الذي هذب منذ أجيال حين يحسن بواسطة أفكاره فقط، الواقع أن التخمة تكاد أن تقضي علينا من جراء هضمنا لكل هذه المذاهب عن الفن، فالتحديدات المختلفة له، قد رسخت في أذهان الناس، لدرجة أنها صارت معتقدات، تتشابه كلها وتتشابك حتى نحسبها شيئا حقيقيا، في حين أنها تعترض سبيل فهم الفن، وتعوقه عن الظهور بمظهر لائق به.

إن الأفكار التي تغذي فينا الحاسة التجريدية، قد أقامت حولنا حاجزا سميكا نسجن أنفسنا في محيطه، وننتهي بأن نعتبر ذلك شيئا صحيحا، من غير أن نعير هاته الأفكار انتباهنا.

ولكن، من أجل أي شيء نتعب فكرنا إذا لم يكن ذلك من أجل إقصاء تلك المجموعة من الأفكار، لنفتح أمام أعيننا في اللوحة ثغرات ينفذ منها الهواء، حيث تطل على عوالم فسيحة؟ وبأي شيء غير الكلمات نستطيع أن نقضي على هذا الامتياز المزيف، الذي تفرضه الكلمات علينا؟ يجب إذن الرجوع إلى التأمل، لنستطيع أن نجد خارج العراقيل التي تضعها الرتابة طريق الوضوح في العمل الفني، وذلك بأن نحسب حسابا لنصيب الحقيقة الذي يوجد فيه خلال نظرياتنا وأحكامنا المسبقة، فهذه الحقيقة إذا كانت مقاسة مقننة، فهي غير واضحة بشكل اختياري، لذلك يجب علينا أن نكبح جماح جميع إبداعاتنا وعواطفنا الحرة من الجيشان، وذلك بمفعول يقظة الضمير.

(*) روني هويغ، رئيس محافظي الرسم في متحف (اللوفر) منذ 31 سنة، وهو الآن أستاذ في (كوليج دوفرانس) حيث يحتل كرسي: علم نفس الفنون البلاستيكية، وهو فوق هذا يهتم بتاريخ الفن، وعلم النفس والجمال، ويعتبر كتابه (حوار مع المرئي) كتابه الرئيسي، إذ فيه يبين إلى حد كبير تعلق جيلنا الحالي بالفنون، بل يوضح لنا من خلال سطوره مظهرا رئيسيا لزماننا وتفكيرهن وهو في هذا الكتاب يعلمنا كيف نقرأ اللوحة ونتعمقها، فيكون بهذا قد فسر دور الفن في حياة الإنسان، وقد أصبح الكاتب من الخالدين، حيث أصبح عضوا في الأكاديمية الفرنسية مؤخرا.

ترجمة هذه القطعة من كتاب Dialogue avec l'invisible, édition flamarion 1955 وذلك لأنني رأيتها كدستور يضع الحدود الصحيحة لفهم الرسم وتذوقه وأردت بذلك أن أجعلها كمقدمة لدراسات صغيرة تبدأ من العهد الكلاسيكي والباروكي Baraque إلى بيكاسو التكعيبي ثم التجريدي ثم الواقعين والواقع أنه قد سبق لي أن ترجمت مقدمة أخرى للكاتب نفسه أرخ فيه للرسم منذ الانطباعيين إلى العصر الحاضر نشرت في غير هذا المكان ولكنها على ما فيها من الفائدة فإنها لا تتناول الأشياء بمزيد من الإطناب، فإلى اللقاء في إعداد قادمة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٣