لما ستنهض به الحكومة المزعومة في ظرف سنة. ومرت سنة كاملة، فماذا كان نصيب المشاريع الكريمة من التحقيق؟
لقد كان البرنامج - الذي كان المفروض أن يكون الإطار الذي تشهد ضمنه جميع مجالات النشاط بروزها وسيرها - موضوعا تحت شعار «التقشف» حتى أن أبن دادة تحايل أكثر من مرة على استعمال كلمة «الضغط على الميزانية» «والتقنين في المصاريف» «واللجوء الأدنى»، ولكن الذي لوحظ بعد أيام فقط على الاستماع إلى عرض ابن دادة، أن هذا الرجل قد ضغط على كل شيء إلا على المصاريف، بل ولوحظ فوق ذلك أن الشعار الذي وضع تحته البرنامج وهو التقشف أصبح لا معنى ولا مكان له، وأصبح هناك شعار جديد هو الرشوة والفضائح المالية.
والذي تتبع نشاط حكومة موريطانيا خلال هذا العام يجد أن المشاريع الوحيدة التي صرفت فيها أموال الصدقة الفرنسية تتخذ لها أسماء غريبة، ومن بين هذه الأسماء: - الاستمالة- والتعويض التعاوني- والتعويض التقاعدي-، ولقد صرفت مبالغ تقارب خمسة ملايين فرنك إفريقي في صنع الأوسمة الشرفية التي وزعت بدون مقياس أو مناسبة خلال شهر يوليو الماضي، ولم تخرج المصاريف الجديدة التي تصورت حكومة موريطانيا أنها ستترتب عن «السيادة»، لم تخرج عن نطاق الحفلات والولائم والجولات عبر العالم. ولا شك أن المسيو كومبايي وزير مالية موريطانيا الذي أقيل قبل أسابيع عنده الكثير مما يقوله في هذا الموضوع فقد كانت له إدارة تشبه «إدارة الشؤون الأهلية» مهمتها التعرف على المستحقين والبحث عن الجيوب والبطون الفارغة التي تحتاج إلى العناية والالتفات.
ويظهر أن أكبر رشوة عرفتها موريطانيا حتى الآن هي المائة مليون فرنك إفريقي التي قبضها المختار انجاي عند رجوعه من بون حيث مثل موريطانيا في المجلس البرلماني للسوق الأوربية، فقد نفحه المكتب المركزي للمنظمة المشتركة لاستغلال خيرات الصحراء بالمبلغ المذكور مقابل تعهده بأن يحمل «المجلس الوطني الموريطاني» على الموافقة على دخول موريطانيا في المنظمة.
لقد تصاعدت رائحة هذه الرشوة في سماء نواكشوط واضطر ابن دادة إلى توجيه سؤاله المشهور أمام النواب الذين كانوا قد انقسموا على أنفسهم، ونامت القضية في نفس الوقت الذي أعلن فيه أن التحقيق سيجري في الموضوع.
? ? ?
ونحب أن نتساءل فوق ذلك عن حقيقة الملايير الثلاثة التي تشكل الميزانية العامة وميزانية التجهيز التي حددت سنة 1961 لصرفها في وجوه عينت بدقة عجيبة ولكنها لم تخرج عن النطاق النظري.
أن هذه الميزانية كما قلنا تبلغ ثلاثة ملايير فرنك إفريقي أي ستين مليون فرنك فرنسي ثقيل وهذا القدر الضئيل بالنسبة لبلاد واسعة تضم خيرات حيوانية ومعدنية غير محدودة يدل على أمرين اثنين.
أولهما: ضعف المداخيل، ذلك الضعف الذي يرجع إلى امتناع المواطنين وخاصة في المنطقة الشرقية ونحن نتذكر هنا أن أصحاب القطعان في نواحي (النعمة والعصابة وتاكانت) امتنعوا عن دفع الترتيب، معللين ذلك بأن حكام نواكشوط لا يقصدون من جمعه تعزيز الخزينة العامة ولكن مضاعفة دخلهم الشخصي على حساب الفقراء من صغار مربي الماشية.
وثانيهما: الكرم الحاتمي الذي لا زالت تتبعه مصلحة الاقتصاد الوطني الموريطانية مع شركة «مفيرما» التي تستغل الحديد في «كدية الجلد» ومن المعروف لدى الجميع أن ابن دادة قد أعفى هذه الشركة من دفع أي مبلغ للخزينة العامة ما دام ميناء بوراتيان لم يبدأ في شحن فلزات الحديد إلى الخارج.
ومن شأن ضعف المداخيل التي لا تغطي سوى الثلث من ميزانية التسيير ولا تساهم بأية نسبة في ميزانية التجهيز، من شأن ذلك أن يضع وزارة الاقتصاد في نواكشوط أمام مشكلة توازن الميزانية وتلافي الخلل الناتج عن العجز الذي يبلغ 65 في المائة من مجموع أرقامها.
وهنا يلعب ابن دادة ورقة «الاستجداء» ويستغيث ببنود الوفاق الفنية التي عقدت مع فرنسا.