أصبحوا بعد ساعات من وصولهم سجناء قرية (تشيت) في الحوض الموريطاني.
ولم يمر ذلك بالسهولة التي تصورها (بورغارال) مدير الداخلية آنذاك، لان الجماهير أخذت هذه المرة زمام المبادرة، ومرت الشهور الأخيرة من السنة الماضية مسجلة أحداثا في منتهى الشدة لاحظها جميع الذين حضروا حفلات الاستقلال المزيف. وظل الحال كذلك حتى بداية شهر مارس الذي بدأ بأنه كان توقيتا للقيام بعمل واسع ضد الفرنسيين وحكومة ولد دادة.
ولم يكن الفرنسيون ومن ورائهم حكومة موريطانيا يظهرون من القلق بمناسبة اتساع العمل المباشر بالقدر الذي أظهروه إزاء طرد المندوبين الموريطانيين من الأمم المتحدة عند ترشيح الإقليم لأول مرة. ولا شك أن خوفهم من انكشاف الحدود الشمالية والشرقية بدون أن تكون هناك ضمانات دولية هو الذي حملهم على معاودة حديثهم عن التصالح الوطني بقصد تمتين الوضع في الداخل، والاستعانة بذلك في إدخال موريطانيا في حظيرة الأمم المتحدة.
وهكذا وضعت سنة 1961 تحت شعار «الاتحاد والوفاق»، فاجتمعت المائدة المستديرة في 20 مايو، ووالت اجتماعاتها التي كان يعترضها استمرار رفض ابن دادة لشروط المعارضة، غير أن ابن دادة كان يعد دائما ويمني بأن كل شيء سيسير وفق ما يريده حزب النهضة إذا ما أيده في معركة تعديل الدستور وانتخاب الرئاسة.
وكان ما أراد ابن دادة. ولن يتحقق إلا القليل مما وعد به المعارضة وحتى الحكومة التي كان مقررا أن تكون شطرا بين الحزبين الكبيرين أخذت جل مناصبها العناصر المؤيدة للوضع. وأتي قبول موريطانيا في الأمم المتحدة ليفتح الأعين على حقيقة كبرى وهي أن التصالح الوطني قد أدى دوره المطلوب منه أداؤه، فقد قام بالتأثير على بعض الدول واظهر لها أن موريطانيا تقف كلها وراء الحكومة الصورية. وإذا فلا مانع من أن تعود المعارضة إلى وضعها كجماعة تكافح بكل الوسائل وأن تقنع فقط بأداء الرسالة التي هيئت لها وهي أن تسبح بحمد منقذ الأمة وزعيمها الأوحد: المختار ولد دادة (!).
وأن تطور الأوضاع السياسية بالداخل على هذا النحو، واستمرار ترديها مع توالي الأشهر، على الرغم مما يحاول الحكام في الإقليم الموريطاني أن يظهروا به في الخارج وعلى الرغم مما يضفونه على «دولتهم» من مظاهر السيادة والاستقرار والتمركز الدولي، كل ذلك يجب أن يقرر بتعميق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدستورية، لان من شأن هذا التعميق أن يجعل حكمنا على حقيقة هذه «الدولة» حكما في محله، وغير متأثر بالعواطف أو الهوى.
............... صورة خريطة
ولعل أول ما يتبادر إلى ذهننا هو العرض الذي قدمه المختار ولد دادة أمام ما يسمى بالمجلس الوطني الموريطاني يوم 25 نوفمبر 1960 وأطلق عليه «البرنامج المستعجل» فقد تضمن الخطوط الدقيقة