دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 60
شؤون إفريقية: بعد مرور سنة على استقلال موريطانيا
موريطانيا لا يمكن أن تتوفر فيها شروط الدولة
للأستاذ: محمد احمد الغربي
في اليوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الماضي مرت سنة كاملة على الاستقلال المزعوم الذي منحته فرنسا لموريطانيا، وأعلنه السيد ميشيل دوباري أمام أربعين نفرا أطلق عليهم منذ مدة نواب الشعب الموريطاني. ولن نعني في هذا المجال بالأحداث ذات الصبغة الخطيرة التي سبقت وأعقبت ذلك اليوم من العام الماضي، كما لن نتطرق إلى بسط الملابسات القانونية والدولية فذلك ما تعرضنا له مرارا على صفحات هذه المجلة وأصبح محل فهم دقيق من طرف جميع المتتبعين للقضية الموريطانية. والذي سنعنى في هذا الحديث بتحليله وإلقاء الضوء عليه أو التذكير به هو ما فعله المتآمرون في غضون السنة المنصرمة، والفشل الذي كان يلاحقهم وهم يحاولون إنهاض جمهوريتهم العجيبة على قدميها الخائرتين.
لم تكن الوضعية السياسية في نهاية 1960 مشجعة للمضي في تنفيذ المخطط الذي كان معدا لموريطانيا، فحزب النهضة الذي شهد بعثا جديدا في تلك الفترة بمناسبة الحملة الانتخابية البلدية وتنسيق الجهود بينه وبين الحزب الاشتراكي الإسلامي، والتضعضع الذي ظهر محققا في صفوف الحزب الحاكم «حزب التجمع الموريطاني» بعد تبلور الخلاف بين كتابه العام المختار ولد دادة ومديره السياسي المختار انجاي، خلقت هذه الظروف الجديدة وضعا غير متوازن في التقابل السياسي، وجعل الأفكار الوطنية والوحدوية تستقطب مزيدا من العناصر الواعية والمناضلة.
وكان لابد لابن دادة أن يختار التصالح والتعاون مع المعارضة، قبل أن تؤدي به عزلته المتزايدة إلى التطويح به في نهاية الأمر. وهكذا أصدر في 29 غشت 1960 بيانه الشهير لا باعتباره رئيسا للحكومة ولكن بوصفه أمينا عاما لحزب التجمع، وجاء في ذلك البيان الذي دعا فيه إلى الاتفاق مع أحزاب المعارضة حول مائدة مستديرة «بأنه قد حان الوقت للوصول إلى حل يرضي الجميع» وأنه أي المختار ولد دادة «مستعد باسم حزبه للدخول في هذا التفاوض بإخلاص وحسن نية».
وكانت المعارضة تعرف حقيقة هذا الداعي، ومتأكدة من أنه إن كانت للمختار قوة وشكيمة فإنهما مستمدتان من الوجود الفرنسي في موريطانيا، وبدافع من غيرتها أرادت أن تعطيه فرصة أخرى ليبرهن على النية الحسنة التي ادعاها لنفسه ولحزبه الرمزي وإذا تم ذلك على الوجه المرغوب فلا شك أن العزلة سوف تتحول عنه إلى الاستعمار نفسه، وتصبح موريطانيا متحررة إذا صلحت العزائم وتكتلت الصفوف.
وبالفعل فقد اجتاز الزعماء الموريطانيون الخمسة حدود السنيغال نحو نواكشوط معتقدين أنهم سيجدون النوايا الحسنة في انتظارهم، ولكن ماذا وجدوا؟ الكل يعلم أن ذلك النداء المفعم بالطيبة والكرم لم يكن سوى شركا وقع في الزعماء الذين