أما عوامل الدرجة الثانية فاهمها:
أ - سكوت النقد عن بعض المبدعين تماما، وسكوته عن بعض الأدب، بينما يتضح حديثه عن مبدعين بعينهم، وعن فنون أدبية بذاتها، ففن القصة، مثلا، في بلادنا يرتاد منذ زمان، ولكن متى قرأت نقدا موضوعيا لقصة، أو لرواية مغربية؟
ب - تحامل النقد في بلادنا، فلو أننا بحثنا، تقييم وتقويم أعمالنا الأدبية، فأكثر من يريدون النقد الأدبي عندنا، لا زالوا ينظرون إلى العمل الأدبي بعين أبن الشعر خاصة، حيث يركزون جهودهم في اقتناص الزحافات واختلال الروي .. وضعف القافية، وفي تصيد الأغلاط النحوية واللغوية والبلاغية، مع الإشارة الضرورية إلى أن شبيها من هذا المعنى جاء في بائية فلان .. أو أن هذا الشاعر يؤثر فيه الشاعر الكبير فلان ..
وأنا لا أدعو إلى السماح بفشو اللحن في الأدب، مهما كان نوعه، كما لا أدعو إلى تجاهل السرقات الأدبية، ولكني اعتقد أن أهم وانفع من ذلك أن نلتفت إلى العلاقة السيكولوجية بين الثالوث المنتج (الشاعر والتجربة، والبيئة الموحية) من جهة، وبين التيار الفكري، واللحظة الحضارية والمدارس الأدبية الحديثة من جهة أخرى، أن ذلك شيء يجب الاهتمام به أكثر من أي شيء آخر .. كما يجب أن نبحث عن الهدف الذي قصد إليه المبدع، وعن مدى توفقه في بلوغ، أو عدم بلوغ هذا الهدف.
ولا يتأتى ذلك أبدا مع تجزيء، وتصيد أغلاط .. بل مع النظرة الشمولية التي تأخذ العمل الأدبي المحقق ككل موحد، لا يتجزأ، لأنه كالكائن الحي تماما، متى جزأته فقد الحياة ..
وطبعا، إذا سكت النقد، أو تحامل، أو قاس بميزان صدئ، فإن ذلك يقود إلى عدم تقدم الإبداع.
ولعل سائلا يسأل: ما دام النقد مسؤولا عن السكوت، أو التحامل، أو تشغيل الميزان الصدئ، فما وجه اشتراك التذوق له في المسؤولية؟
والجواب على ذلك، أن المتذوق يصبر على السكوت، ويبتلع التحامل، ويقبل تشغيل الكيل الصدئ، هذا، وهو يعلم بوجود كيل جديد لا يبخس الحق، ولا يلوث البضاعة، فلذلك وقع عليه جزء من المسؤولية، فالمتذوق، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، يجب عليه إلا يكون سلبيا، حيال تراث أمته الأدبي، والفكري عامة، بل من واجباته أن يعبر عن رأيه، وأن يحاول، ويدافع عن وجهة نظره، فربما تكون أصوب من نظرة الناقد أو الفكر .. وأن البلاد ذات النهضات الأدبية والفكرية الحقة، لا يخوض غمار ميادين الفكر والأدب أدباؤها ونقادها ومفكروها فقط .. بل والقارئون المتذوقون أيضا ..
وبعد، فهذه نظرة، حاولت أن تكون شمولية، لأزمتنا الأدبية، والبحث عن عواملها، وقد تبين أن عوائق تقدمنا الأدبي إما خارجية، كالاستعمار وبناته، وهذه، وإن كان لها أثر ما، ليست من الخطورة بحيث وضعها بعض باحثي هذه الأزمة، وأما ذاتية بالنسبة للمتذوق والناقد، والمبدع، أي بالنسبة لنا جميعا كمغاربة مسؤولين عن رفع شؤون الفكر في بلادهم .. وأما ذاتية بالنسبة للمتذوق والناقد فقط، وهذه هي العوامل الجذرية لتأخرنا الأدبي، التأخر الذي لا يقدم لنا واقعنا أية مساعدة على إنكاره .. إلا أنني كبير الأمل في أنه يلتفت المغربي، أيا كان، إلى هذه العوائق الكامنة في خلاياه، وينتزعها ..
وأنا متأكد، بعد ذلك، من أن أدبنا سيسير بخطى واسعة سريعة.