أي علاقة الشاعر المبدع، مع شخصيات الشعراء، أو شخصية الشاعر الذي يؤثر فيه أثناء تحقيق العمل الأدبي.
ولنأخذ الشعر، مرة أخرى، لنمثل .. فالشاعر عندنا، يقيس أعماله الأدبية بقياس فأسد، إذ يعتبر نفسه مجيدا، أو بعيدا عن الإجادة، تبعا لكون قصيدته قريبة أو بعيدة الشبه بقصيدة نظمها شاعر كبير يؤثر فيه، ومن هنا كان عدم ظهور شخصية أدبية كبيرة في بلادنا، لها نكهتها، وسماتها المميزة لها عن الشخصيات الأخرى، بحيث تقرأ القصيدة فتتنسم فيها روح أو سجية أو أسلوب أو مذهب صاحبها، أو تقرؤها فتتنسم فيها هذه الأشياء جميعها.
وليس هذا القول جزافا، لأنني في الواقع لو قرأت قصائد ثلاث، أغفلت من إمضاء، أحداها لأبي ماضي، وأخرى للشابي، وثالثة لنزار، استطعت في يسر أن أضع على كل قصيدة اسم الشاعر الذي نظمها .. فهل تراني، استطيع ذلك حيال ثلاث قصائد لثلاثة شعراء مغاربة؟
أكاد أومن باستحالة ذلك ..
وقريب من هذا القول، أيضا، يمكن أن يقال عن بقية ألوان الأدب الأخرى، بل أن أغلب أدبائنا الباحثين فضلا عن صعوبة تنسم سماتهم الشخصية في بحوثهم في لون معين، يزيدون الطين بلة، حين يريدون ألوانا مختلفة من الفن .. فمقال سياسي يطلع عليك اليوم لكاتب قرأت له أمس بحثا عن الموسيقى وستقرأ له قصة عاطفية غدا .. فيكاد القارئ يجزم أن أغلب أدبائنا تهافتيون ..
- ج -
الاستعلاء والتحقير ..
إن كثيرا من أدبائنا الكبار يستعلون، بل ويحقرون من شأن الآخرين.
تصل درجة الاستعلاء والاعتزاز عند بعضهم، أن يقدم قصيدة كلاسيكية متنوعة الموضوع، عادية مألوفة، طويلة مع كثرة حشو .. يقدمها على أساس أنه نظمها، لتكون ردا قاطعا على من يزعم بوجود نكسة أدبية عندنا .. وتصل درجة تحقير الآخرين عند بعضهم أن يقف شاعر ناشئ أمام مسؤول في الإذاعة يطلب تسجيل قصيدته التي نالت الصف الثالث في مباراة، فيلتفت شاعر كبير نالت قصيدته الصف الرابع في نفس المباراة، يلتفت الأديب الكبير إلى رفيق له، ويقول بصوت يقصد منه إسماع الناشئ (صارت القصائد عصائد).
ثم أن هناك نوعا آخر يجمع التحقير والاستعلاء معا، ذلك هو التحقير الجريري .. الصمت، فكبار أدبائنا يسكنون عمدا وعن اختيار، عن أدب الشباب، فلا يقيمونه، ولا يقومونه، ولا يظهر أبدا أنهم عازمون على الالتفات إليه في يوم من الأيام، تماما كما لم يحفل جرير بهجاء بشار له، احتقارا واستصغارا ..
وقد اعتبرت هذه العوامل ذاتية نفسية بالنسبة للمبدع والناقد، والمتذوق لأنها تعيش في فكر وفي نفس كل منهم، فكل من الناقد والمبدع، يقيسان الأثر الأدبي بمدى اقترابه أو بعده عن كبار الشعراء .. والمبدع والناقد يتجاهلان المفهوم الجديد للأدب، وهما معا يستعليان ويحتقران الآخرين.
والمتذوق يجاريهما في المقياس والتجاهل والاستعلاء، لأنه لا يعبر عن رأيه، ولا يقيم العمل الأدبي كمستهلك عادي، ولكنه يعرف مدى أصالة أو رداءة البضاعة التي يستهلكها، ثم أن الإنسان متى استعلى واعتز واحتقر الآخرين، فإنه يشعر في قرارة نفسه، وبالضرورة، أنه بلغ الكمال، فلا يسعى بعد إلى مزيد من الرقي، لأنه لا شيء فوق الكمال، هذا بالنسبة للمبدع والناقد، أما القارئ المتذوق فيزيد بلاده تماما، ويستهلك آداب أمم أخرى لأنها أرقى وأنضج .. وأن أغلب قرائنا يقتاتون من خبز الآخرين، يلتهمون من موائد الجمهورية ولبنان وغيرهما، ويتخمون بسرعة، ثم، ينامون، فلا يكاد يكلف نفسه قراءة كتاب أو مقال لأديب مغربي إلا قليل من قرائنا .. وهذا لا يعني أننا ندعو إلى هجر أدب أقطار العروبة إلى أدبنا، ولكن ندعو إلى جعل أدبنا المحلي في مكان بين أدبنا العربي العام، فنقرأه، ونقيمه، ونقومه، وأن ذلك لمن الواجبات التي تضعها القومية العربية، وإنهاضها على كواهلنا.